الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فلسطينيو الداخل في عين العاصفة

فلسطينيو الداخل في عين العاصفة

علي بدوان

” لقد صمد فلسطينيو الداخل، ومازالوا صامدين في امتحان البقاء والوجود فوق أرض وطنهم التاريخي، بالرغم من كل الفواجع التي مرت على مسار حياتهم ووجودهم منذ قيام الدولة العبرية على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب الفلسطيني. كما صمدوا وأهالوا التراب على كل محاولات “الأسرلة” التي حَلُمَ بها قادة “إسرائيل” في سعيهم لمحو الهوية الوطنية والقومية لماتبقى من أبناء فلسطين داخل وطنهم التاريخي بعد النكبة.”
ــــــــــــــــــــــ
ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها أجهزة الأمن “الإسرائيلية” مواطنيها وحاملي جنسيتها من أصحاب الوطن الأصليين في الداخل الفلسطيني عام 1948 حيث تم تنفيذ حكم الإعدام الجائر بحق الشاب الفلسطيني خير الدين رؤوف حمدان، من حاملي الجنسية “الإسرائيلية” من بلدة (كفر كنّا) الجليلة قرب مدينة الناصرة يوم الثامن من “تشرين الثاني”/نوفمبر الجاري، والذي قتلته وحدة (اليسام) “الإسرائيلية”، عندما حاول منع رجال الشرطة من إعتقال قريبه.
عملية الإعدام تمت بدمٍ بارد، وبالتعمد، في جريمة جديدة تأتي في سياق عمليات القتل والتصفيات الجسدية المتواصلة بعد منحها الضوء الأخضر من جهات رسمية “إسرائيلية” ومنذ وقت طويل لعموم وحدات الأمن، وخاصة منها الوحدات الأمنية الخاصة كوحدة (اليسام) المعروفة بممارساتها الفاشية ضد أصحاب الوطن الأصليين.
وتأتي تلك الجريمة في ظل التحريض الأرعن في “إسرائيل”، وحملات مجموعات الغوغاء، والذي يستهدف فلسطينيي الداخل، وقد زاد من منسوبه العديد من التصريحات المتواترة على لسان عتاة اليمين في “إسرائيل” ومجموعات المستوطين، ومنها ماقاله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قبل فترة قصيرة:” سنقوم بسحب جنسيّة كلّ عربيّ يقوم بالهتاف ضد إسرائيل” على حد تعبيره. فاليمين “الإسرائيلي” الصهيوني ومعه ألوان من أحزاب ” اليسار الإسرائيلي” يعمل أساساً على تغذية المشاعر البهيمية المعادية للفلسطينيين والعرب عموماً، و” الهدف القومي” الذي تروجه أوساط هذا اليمين الفاشي العنصري عنوانه هو طرد ما تبقى من فلسطينيي الداخل، وإنقاذ مايسمونه “أرض إسرائيل من تسلط الأغراب (العرب) عليها”، وما إلى ذلك. أي أن العنصرية الراديكالية المتعطشة، للدم هي بالأساس عنصرية معادية للعرب، فالتطرف الرسمي لساسة اليمين واليمين المتطرف، هو المغذي والمشجع للعنصرية الوحشية المعادية للعرب.
الحديث هنا، يدور عن عملية إعدام واضحة. فالشاب الفلسطيني، حامل الجنسية “الإسرائيلية” لم يُشكّل أي خطر على حياة رجال “الأمن الإسرائيليين” عندما أطلقوا عليه النار وأردوه، وهي عملية الإعدام رقم (٤٨) لمواطنين عرب من حاملي الجنسية “الإسرائيلية” على يد قوات وأجهزة الأمن “الإسرائيلية” منذ “تشرين الأول”أكتوبر 2000، حين سقط (13) شهيداً منهم، قتلتهم وحدات حرس الحدود والشرطة “الإسرائيلية” خلال الإنتفاضة الثانية وهبة القدس والأقصى، حين هبوا في مظاهرات سلمية صافية دعماً لنهوض أبناء شعبهم في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. فالدولة هنا قتلت مواطنيها وحاملي جنسيتها، ولم تخرج نتائج التحقيق التي شكّلتها في حينها الجهات “الإسرائيلية” بشيء يذكر سوى تمويت القضية وترحيلها الى”خبر كان”.
وهنا أيضاً، يدور الحديث عن اللامساواة بأبشع صورها وتجلياتها الدموية على الأرض، وعن التمييز العنصري والفروق بين المواطنين العرب واليهود في عموم مفاصل الدولة العبرية، وعن منطق أولاد الجارية في التعامل والنظرة لمواطني البلد الأصليين من قبل الجهات العليا في الدولة العبرية الصهيونية، وعن الفاشية “الإسرائيلية” المُفرطة في إستهداف مواطني الداخل من الفلسطينيين، وحتى قتلهم بدمٍ بارد بتعليمات وتوجيهات عليا.
والمفجع في هذا الجانب، أن هناك من يدافع عن تلك الممارسات الفاشية من داخل حكومة بنيامين نتنياهو، ومن أعضاء الكنيست (البرلمان)، حيث دافع وزير الأمن الداخلي (يتسحاك أهرنوفيتش) عن سلوك رجال الأمن “الإسرائيليين” الذين أطلقوا النار على الشهيد خير الدين رؤوف حمدان، حين قال “سأواصل مساندة رجال الأمن الذين يقومون بواجبهم بأمانة في الحفاظ على النظام وأمن الجمهور وأدعو الجميع الحفاظ على ضبط النفس وتهدئة النفوس” على حدّ تعبيره.
إن الوقائع الدامغة أثبتت أن المواطنين العرب داخل فلسطين المحتلة عام 1948 مع تقبلهم “الانصياع لقوانين الدولة العبرية رغما عنهم مع تسليمهم بوجودها في ظل تناسب القوى بين الطرفين” إلا أنهم لم ولن يكونوا مستعدين للتماثل معها وتنمية مشاعر الولاء تجاهها، وعليه فان مبادرات ملحوظة تتأتي في سياق البرنامج الكفاحي لأبناء الوسط العربي الفلسطيني داخل حدود العام 1948 لفضح وتعرية طبيعة دولة إسرائيل والنزعة العنصرية التي تحكم بناءها، عبر الدعوة استبدال الدولة الصهيونية بـ “دولة لكل مواطنيها” والمطالبة بحقوق العرب أبناء البلد الأصليين بما في ذلك تغيير الرموز مثل العَلَم والنشيد. ان “إسرائيل” مازالت بعرف الأغلبية الساحقة من القوى الحزبية والاجتماعية والسياسية اليهودية بما في ذلك عند بعض أطراف ألوان “اليسار الإسرائيلي” هي “دولة اليهود” الذين يحق لهم ما لا يحق “للأقليات” والمقصود بالأقليات السكان الفلسطينيين الأصيلين أبناء البلد. وبالتالي فإن الديمقراطية عند المجتمع اليهودي على أرض فلسطين مفصلة تماماً على مقياس خاص لا ينطبق على الفلسطينيين المتجذرين على أرض وطنهم.
لقد صمد فلسطينيو الداخل، ومازالوا صامدين في إمتحان البقاء والوجود فوق أرض وطنهم التاريخي، بالرغم من كل الفواجع التي مرت على مسار حياتهم ووجودهم منذ قيام الدولة العبرية على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب الفلسطيني. كما صمدوا وأهالوا التراب على كل محاولات “الأسرلة” التي حَلُمَ بها قادة “إسرائيل” في سعيهم لمحو الهوية الوطنية والقومية لماتبقى من أبناء فلسطين داخل وطنهم التاريخي بعد النكبة. فـ “الأسرلة” سقطت وتهاوت مع نهوض الداخل منذ الاحتفال الأول بيوم الأرض في الجليل والمثلث والنقب والساحل، قبل أكثر من أربعين عاماً مضت. ومن حينها باتت “الإسرلة”، خلف الواقع، وخلف التاريخ.

إلى الأعلى