الثلاثاء 4 أغسطس 2020 م - ١٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / تسونامي كورونا النفسي!
تسونامي كورونا النفسي!

تسونامي كورونا النفسي!

طبعا، إضافة إلى المرضى فإن العاملين في مجال الرعاية الصحية معرضون أيضا لخطر الآثار النفسية لهذه الجائحة، وذلك لعدة أسباب منها أنهم رأوا المدى الكامل لما يمكن أن يفعله الفيروس في أسوأ حالاته، كما يجب عليهم التعامل مع احتمال فقد المريض، ومهمة إيصال الأخبار المحزنة للعائلة..

مع الاضطراب المفاجئ لروتين الناس والمعيار الجديد للابتعاد الاجتماعي، والحياة التي تغيرت كما لم نعرفها سابقا بشكل كبير في غضون أسابيع، تواجه الأسر وما زالت قرارات صعبة بشأن حماية صحتهم، وأحبائهم ودخلهم المعيشي. حقيقة نحن الآن حوالي 25% من الناحية النفسية على ما كنا عادة عليه في هذا الوقت من العام. بعضنا قد يكون تأخر علاجه المعتاد أو تأخر بأخذه؛ لأنه بالحجر الصحي، بالتالي سيكون منهارا، بينما الآخر مستوى القلق عنده مرتفع جدا؛ لأنه ربما فقد وظيفته. كل هذه الأشياء تحدث وتصنع كومة الإجهاد! والتي إن ارتفعت بشكل أكبر، إما أن الشخص سيحاول التأقلم أو أنه سيضاف إليه ضغط نفسي آخر، فكيف إن كنت أنت ذلك الشخص ولديك مرض مزمن فماذا سيكون وضعك؟!
بطبيعة الحال، ومع تحول أسابيع من التباعد الاجتماعي إلى أشهر، أصبح العديد من الأشخاص الأسوياء قبل الجائحة، يعانون من شعور العزلة والقلق والاكتئاب والفزع أيضا نتيجة انتشار الجائحة. كما أنهم باتوا غير متيقنين بشأن متى وكيف ستنتهي الجائحة، والخوف من الإصابة؟ إضافة إلى الأزمة المالية التي عانى ويعاني منها الكثير وظلالها على أسرهم. ومن ناحية أخرى يشعر الكثيرون بالقلق من أن التغييرات المؤلمة التي أحدثتها هذه الجائحة سوف تسبب في زيادة كبيرة في مشاكل الصحة النفسية والتي ربما تستمر لفترة طويلة بعد انتهاء التهديد الفيروسي. وهنا أذكر تصريحا لرئيس منظمة الصحة العالمية واصفا الواقع النفسي لما بعد كورونا بأنه لا يقل شأنا عن واقع كورونا الجسدي!
فالكثير من الناس غير قادرين على رؤية أصدقائهم وأحبَّائهم خوفا عليهم أو اتباعا والتزاما بالقرارات المعنية بحسر انتشار الفيروس، وهذا بكل تأكيد يجعل الوضع أسوأ وتزداد العزلة، مع ارتفاع مستويات الشعور بالتوتر، والأرق، وارتفاع نسب العنف الأسري في بعض الأحيان. وهنا بكل تأكيد قد يتحول مع الوقت إلى أعراض مرضية نفسية مثل اضطراب الاكتئاب أو القلق العام، إضافة إلى مشاكل الصحة البدنية، والتي على سبيل المثال أكَدتها دراسة أجريت عام 2016، تبيِّن أن الشعور بالوحدة المستمر مرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية وأمراض القلب. وبالتالي اليوم، يمكن أن تتفاقم المخاطر العادية للوحدة، بسبب الضغط النفسي والمعيشة أثناء الجائحة، وهذا يقودنا للقول بأن هنالك آثارا طويلة المدى تتعدى القلق لتصل إلى الاكتئاب لبعض الناس، خصوصا لمن يعزل نفسه اجتماعيا لدواعي السلامة، ولم يستخدم الوسائل المتاحة للتواصل مثلا.
في حين أن الكثير من الناس قد يشعرون بمشاعر قلق أكثر من المعتاد في فترة الجائحة، فإن معظم الذين يعانون من مثل هذا الضيق لن يصابوا على الأرجح بحالة صحية نفسية، وأعزو ذلك إلى أن بعض الناس بعد الكوارث يبقون صامدين، بل ويجدون نقاط قوة جديدة لهم، وهؤلاء قد نقول بأنهم الفئة الصحية بحيث يصبح لديهم مناعة عند التعرض لضغط نفسي مستقبلي مثلا.
من ناحية أخرى، إذا ما تحدثنا عن مرضى فيروس “كوفيد19”، فهؤلاء المرضى أحدهم أعراضه النفسية من البسيطة إلى المتوسطة، وقد يكون لديه صدمة أو ضغط نفسي والذي قد يفضي إلى تطور (اضطراب الكرب ما بعد الصدمة) في بعض الأحيان، أما الآخر ـ للأسف ـ فقد يعاني من الهذيان والهيجان نتيجة الفيروس، خصوصا وأنَ بعض الدراسات أثبتت أن العدوى الفيروسية قد تصيب الجهاز العصبي المركزي للمريض، مما يؤدي إلى متلازمات عصبية نفسية تؤثر على المجالات المعرفية، والعاطفية والسلوكية والإدراكية عند بعض المرضى، إضافة إلى أن الدخول في وحدة العناية المركزة واستخدام جهاز التنفس الاصطناعي، يتطلب أدوية معينة يمكن أن تزيد من الارتباك والتأثير النفسي بعد ذلك!
طبعا، إضافة إلى المرضى فإن العاملين في مجال الرعاية الصحية معرضون أيضا لخطر الآثار النفسية لهذه الجائحة، وذلك لعدة أسباب منها أنهم رأوا المدى الكامل لما يمكن أن يفعله الفيروس في أسوأ حالاته، كما يجب عليهم التعامل مع احتمال فقد المريض، ومهمة إيصال الأخبار المحزنة للعائلة، علاوة على ذلك، فإنهم يواجهون خطر الإصابة بالعدوى، حتى بنهاية اليوم وفي طريقهم إلى منازلهم يضطرون إلى عزل أنفسهم كما يفعل الجميع، فتظهر عليهم أعراض نفسية كاضطرابات القلق، والاكتئاب والوسواس.
أما الفئة الأخرى والتي يمكن أن تواجه خطرا إضافيا خلال الجائحة فهم أولئك الذين يعانون من حالات الصحة النفسية والعقلية قبل بدء الجائحة. على سبيل المثال، قد لا يتمكن الأشخاص الذين يعانون من الإدمان من مقابلة طبيبهم أو الحصول على العلاج ربما خلال هذا الوقت، ناهيك أن الأشخاص الذين يعانون من حالات القلق، أو الاكتئاب أو اضطراب الانفصام مثلا قبل الجائحة، أعراضهم قد تزداد سوءا بسبب ضغط المعيشة خلال هذه الفترة.
وهذا يقودني إلى نقطة بالغة الأهمية وهي: كيف أننا كمجتمع أو أفراد، أصبحنا في أحيان كثيرة سببا في تفاقم حالة المريض النفسية؟ كيف لا؟! وبعضنا يواجه المريض المصاب بفيروس كورونا بحالة من النبذ، فنعزز شعور الخجل أو الانطواء فيه، ولذلك يجب الوقوف مع المصاب هنا، ومساعدة المتعافين للعودة لحياتهم وتشجيعهم على ذلك وليس العكس!
ومن هنا يجب على كل أسرة وأفرادها التقليل من آثار التباعد الجسدي أو الاجتماعي والوحدة، بالتواصل والاتصال والتعامل مع المريض على أنه مريض عادي، وخلق جو من المحبة والتفاؤل، وضرورة متابعة المصاب من قبل أفراد الأسرة ومراعاة مشاعره، مع الحرص على بث الأمل، لافتا إلى أن من استراتيجيات التكيف المفيدة للتعامل مع الضغوط النفسية البدء ـ على سبيل المثال ـ في القيام بأنشطة مختلفة كالرسم، وقراءة الكتب أو ممارسة تمارين الاسترخاء والتي ستساعد على عودة الحياة إلى طبيعتها. أيضا من الجيد الابتعاد عن متابعة الأخبار بشكل مفرط (خصوصا تلك التي تحمل أنباء محزنة أو مقلقة)، وتناول أغذية صحية وبالتأكيد ممارسة الرياضة.
بالنهاية، حقيقة ما يمهني ذكره هنا، ليست فكرة الحديث عن الوضع النفسي خلال فترة الجائحة وبعدها فحسب، وإنما ماذا سنفعل للتصدي لمثل هذا الوضع النفسي لكثير من الناس بعد انتهاء الجائحة؟! علما ـ وبلا شك ـ أن الصحة النفسية والصحة الجسدية مرتبطتان وسقوط إحداهما سيؤثر على الآخر بكل تأكيد، وما له من آثار سلبية على صحة الفرد والمجتمع. ولعلي أرى أن الأولوية الآن تقتضي مراقبة معدلات القلق، والاكتئاب وغيرها من الأمراض أو الاضطرابات النفسية، مقترحا على المختصين والجهات المعنية تدشين قاعدة بيانات إن أمكن، لمراقبة أية آثار نفسية مرتبطة بفيروس “كوفيد19”.

د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب، مبتكر وكاتب طبي

إلى الأعلى