الخميس 13 أغسطس 2020 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية فـي آيات قرآنية : الروابط اللفظية ودورها فـي التماسك النصي «سورة النصر نموذجًا» «3»

قراءة بلاغية فـي آيات قرآنية : الروابط اللفظية ودورها فـي التماسك النصي «سورة النصر نموذجًا» «3»

.. ثم يأتي الجواب جواب الشرط بعد كل هذا عاجلا مرتبطا بفاء الربط ، وهي الفاء الواقعة في جواب الشرط: (فسبح بحمد ربك)، فالفاء للربط بين الجواب والشرط، وهي تفيد سرعة التحقق، وسرعة حصول الجواب، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا، والجار والمجرور مع المضاف متعلقان بالفعل، أو حال من الفاعل فيه، وهو الضمير المستتر في الفعل (فسبح)، وكله مترابط ببعضه، فالتسبيح يكون بحمد رب الرسول، أورب المسلم، وهو في إطار جواب الشرط المرتبط مع الشرط ارتباط الفرع بالأصل والجزء بالكل، والقلب بالجسد، وتتابع المضافات من وسائل الترابط، حيث لدينا مضافات ثلاثة:(بحمد ـ رب ـ ك)، وشبه الجملة متعلق بالفعل، والتعلق وسيلة قوية من وسائل التماسك، والتلازم اللغوي؛ ومن ثم التماسك الدلالي، والأمر في الفعل( فسبح) للإرشاد والنصح، ثم تتوالى المعطوفات وأحرف العطف:(واستغفره) فالواو هنا لعطف الجمل، حيث عطفت جملة:(استغفره) على جملة: (فسبح بحمد ربك)، والاستغفار مرتبط بالتسبيح ارتباط الجزء بكله، أو أن الواو العاطفة للمغايرة هنا، فالاستغفار قسم، والتسبيح قسم، واجتماعهما يشكِّل قضية الشكر على نعمة مجيء نصر الله، والفتح، فالنصر، والفتح سببان في التسبيح، والاستغفار، أو هما السبب في مجيئه، فبينهما ارتباط دلالي، وارتباط لفظي، والارتباطان مَتَّنَا الجملة، وجعلاها تتشابك تشابكًا كبيرًا، وعود الضمير في:(استغفره) من وسائل الربط اللفظي؛ حيث الإحالة على متقدم، هو قوله تعالى:(ربك) والأمر أيضًا للنصح والإرشاد، فالواو إما لمجرد العطف دون ترتيب أو تعقيب: (لمطلق الجمع أو الجمع المطلق)، وإما لإفادة الترتيب على قوليْ النحويين في ذلك، ثم يأتي التذييل الحكيم:(إنه كان توابا) أيْ سبِّحْه واستغفره؛ لأنه كان، ولا يزال قابلا للتوب، غافرا للذنب، أيا كان، فهو كثير التوب، كثير الغفران، والعفو، والجملة مؤكدة بـ(إنَّ) حتى تنتشل شكَّ أحدهم في ذلك، والفعل:(كان) للزمن الماضي، ولكن الماضي المستمر: (أي كان، ويكون، وسيكون)، فالزمن لا يجري على الله، وهو خالقه، لكنْ وردت (كان) هنا لراحة النفس، وسعادة الروح في أن التوب الكثير من الله للعباد حاصل، ومن قديم الأزل، فهو ربٌّ رحيم، وإله منَّان كريم، وصيغة المبالغة: (توابا) ترشِّح ذلك، وتقويه، وإن كنَّا اعتقادا نجعلها صفة مشبهة، لا صيغة مبالغة؛ لأن صيغ المبالغة مثل اسم فاعل تحدث كثيرا، واسم الفاعل قد يحدث، ولا يستمر، وهو كذلك يزيد وينقص، نقول: فلان ضاحك، وضحَّاك وضَحُوك، أي يضحك كثيرًا، لكنْ سيأتي عليه وقتٌ ينام فيه، أو يأكل، أو يستريح، أو يسكت فلا يضحك، فاسم الفاعل وصيغ المبالغة لا تكون على سبيل الدوام، وثبوت الوصف لصاحبه، على العكس من الصفة المشبهة التي تفيد الاستمرار، والثبات، والسرمدية، فالتوب لله ثابتٌ على الدوام بكلِ معانيه، ومستمر إلى يوم القيامة، وفيه كناية عن استمرار الرحمة، وتكرار العفو، واستدامة الصفح، وارتباط الحرف (إنَّ) بما بعده حاصلٌ معنى، وإعرابًا ودلالة، حيث تنصب الاسم وتؤثر الرفع في الخبر، وتفيد التوكيد، والخبر هنا هو جملة (كان توابا)، وهي في محل رفع، كما أن الفعل: (كان) ناسخ، وفعله يتطلب اسمًا ضميرًا مستترًا، وخبرًا هو:(توابًا)، فالجملة مرتبطة لفظيًا، وإعرابيًا، ودلاليًا، وفيه التماسك التام، وهي كذلك تعليل لما قبلها، كاشفة عن السبب الذ ي من خلاله تاب الله كثيرًا على الناس وذلك بسبب استغفارهم، وكثرة تسبيحهم، فاستحقوا إنزال النصر، والفتح، واستنزال التوب، وإذا نظرنا نظرة كلية إلى السورة وجدنا فيها عدة أساليب، منها أسلوب الشرط، وأسلوب العطف بنوعيه:(عطف مفردات، وعطف جمل)، وأسلوب التوكيد، كما فيه تتابع أحوال، وإضافات، والعطف، واستعمال كثير من أدوات الربط اللفظي، كل ذلك جعل السورة كلها كآية واحدة حيث تتتابع تلاوتها، جراء ارتباطها الشديد لفظيًّا، مما انعكس على ارتباطها معنويًّا، وتشابكها دلاليًّا، وتداخلها إعرابيًّا، ونحويًّا، وهكذا بدا الترابط اللغوي، والتلازم الدلالي، والتماسك النصي في سورة كاملة، وهذا دأب القرآن الكريم، ومن أخص سمات جمله، وتراكيبه، ومن أميز خصائص تعبيراته، وأساليبه.

- د.جمال عبدالعزيز أحمد
- كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة – جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى