الخميس 13 أغسطس 2020 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / حديث القرآن عن الأمراض والأوبئة «3»

حديث القرآن عن الأمراض والأوبئة «3»

لقد ذكر القرآن الكريم في كثير من آياته الكريمات، مادة (مرض)، حيث جاءت ما يقارب خمسة وعشرين مرة، ولما كانت أمراض القلوب هي السائدة والكثيرة بين الناس ـ إلا من رحم الله ـ كانت أكثرها، أما المرض البدني فجاء منها مرتين، وفي هذا إشارة عظيمة إلى أهمية شفاء أمراض القلوب، كما أن التعافي من أمراض القلوب هي حالة صحية تشفى على إثرها الأبدان والأجساد،ومن هذه الناحية يكشف لنا القرآن الستار عن حديثه عن الشفاء، فكم مرة ذكرت مادة (ش ف ى)؟.
وللإجابة عن هذا السؤال نحتاج جميعًا أن نفتح كتاب الله تعالى تالين لآياته متدبرين لمعانيه، مستخرجين فائدة من كنز فوائده التي لا تنتهي، وما أحوجنا إلى كتاب الله تعالى في هذه الأيام الصعبة التي لم نرَ مثلها ولا آباؤنا، فقد أغلقت على إثر هذه الجائحة مساجدنا، وأغلقت متاجرنا، ومات منها الكثير من الناس في مشارق الأرض ومغاربها،ونسأل الله تعالى أن تنتهي هذه الجائحة سريعًا، فإنه تعالى قادر على أن يذهب به وبما هو أصعب بها، والله وحده هو القادر على أن يصرف هذا البلاء الذي عمَّ وطمَّ، فخيره سبحانه وفضله أعظم وأعم،وإذا ما تدبرنا كتاب الله تعالى لوجدنا أن مادة (ش ف ى) بتراكيب مختلفة.
إليكم ـ إخواني الكرام التفضيل: أولًا: الفعل المضارع (يشف) وقد جاء مرتين: المرة الأولى:(قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (التوبة ـ ١٤)، (قاتلوهم) جاء فعل مضارع مجزوم معطوف على (ﱂ) وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على لفظ الجلالة (الله)، وجملة:(يشفِ ..) لا محلّ لها معطوفة على جملة يعذّبهم. (انظر:الجدول في إعراب القرآن 10/‏ 296)،والمعنى:قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره (قاتلوهم) أي:قاتلوا، أيها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نكثوا أيمانهم، ونقضوا عهودهم، وأخرجوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من بين أظهرهم،(يعذبهم):(يقتلهم الله بأيديكم)، (يُخزهم): ويذلهم بالأسر والقهر، (وينصركم) فيعطيكم الظفر عليهم والغلبة، (ويشف) صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله، بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم، وإذلالكم وقهركم إياهم. وذلك الداء، هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموْجِدة بما كانوا ينالونهم به من الأذى والمكروه، وقيل: إن الله عنى بقوله:(صدور قوم): صدورَ خزاعة حلفاءِ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وذلك أن قريشًا نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمعونتهم بكرًا عليهم. (انظر: تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر 14/‏ 160)،أما المرة الثانية:(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)(الشعراء ـ 80)،و(يشفين) فعل مضارع اتصلت به نون الوقاية، وحذفت ياء المتكلم من الفعل للفواصل، مراعاة للنسق اللفظي، وهذا المقام ليس الوحيد الذي تراعى فيه الفواصل والجرس الموسيقي للنظم القرآني، وجملة:(هو يشفين) لا محلّ لها جواب شرط غير جازم، في محلّ رفع خبر المبتدأ (هو) الثاني، وقد عطف بالفاء لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما، والعجيب أن في قوله تعالى:(وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)أضاف المرض إلى نفسه للتأدب مع الله تعالى، بتخصيصه بنسبة الشفاء الذي هو نعمة ظاهرة إليه سبحانه، إذ أسند إلى الله أفعال الخير كلها وأسند فعل الشر إلى نفسه، وللإشارة إلى أن كثيرًا من الأمراض تحدث بتفريط الإنسان في مأكله ومشربه وغير ذلك، (انظر: الجدول في إعراب القرآن 19/‏ 89)،ومن أجمل ما جاء حول المعنى ما ذكره الشيخ الشعراوي في شرحه لهذه الآية في مواضع كثيرة من تفسيره خلاصتها: أن (الخير الذي يناسب جمال كمال الله لا يزول ولا يحول ولا يتغير، ولا كاشف لضر إلا الله ؛ فالمريض لا يشفى بمجرد الذهاب إلى الطبيب، لكن الطبيب يعالج بالهبة الموهوبة له من الله، والذي يَشفي حقيقة هو الله،لأن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الداء، وخلق الدواء، وجعل الأطباء مجرد جسور من الداء إلى الدواء ثم إلى الشفاء، والله يوجد الأسباب لِيُسرَّ ويُفْرِح بها عباده، فيجعل المواهب كأسباب، وإلا فالأمر في الحقيقة بيده سبحانه وتعالى، قال رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (تَدَاوَوْا عبادَ الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء)، ونحن نرى أن الطبيب المتميز يعلن دائماً أن الشفاء جاء معه، لا به، ويعترف أن الله أكرمه بأن جعل الشفاء يأتي من علاجه، إذن فالله هو كاشف الضر، وهو القدير على أن يمنحك ويَمَسَّك بالخير. وقدرته لا حدود لها،وهو بذلك يميز بين الوسيلة للشفاء وهم الأطباء المعالجون والشافي الأعظم وهو الله تبارك وتعالى لأن الناس قد تفتن بالأسباب وتقول: إن الطبيب هو من يشفي، ولذلك ينتقل سيدنا إبراهيم من ظواهر الأسباب إلى بواطن الأمور، وينتقل من ظواهر الملك إلى باطن الملكوت حتى نعرف أن الطبيب يعالج ولكنه لا يشفي، بدليل أننا كثيراً ما رأينا من يذهب للطبيب ويعطيه الطبيب حقنة فيموت المريض، وبذلك يصير الطبيب في مثل هذا الموقف من وسائل الموت، سبحان من يرث الطبيب وطبه، إذن، «فَهُوَ يَشْفِينِ» أي أن الشفاء من الله والعلاج من الطبيب،خصص الشفاء أيضاً، حتى لا يظن ظان أن الطبيب هو الذي يشفي، وينسى أن الله وحده هو الشافي، أما الطبيب فهو معالج فقط؛ ولذلك يقول الشاعر عن الموت: إنْ نَام عنْكَ فَأيُّ طِبٍّ نَافِعٌ .. أوْ لم يَنَمْ فالطِّبَّ مِن أذنَابِ. وجاء سيدنا إبراهيم بالقصر في الشفاء لله؛ حتى لا يظن أحد أن الشفاء في يد أخرى غير يد الله سبحانه، ولكن الله هو الذي يشفي، فجاء بالضمير (هو) ليؤكد أن الشافي هو الله لوجود مَظنّة أن يكون الشفاء من الطبيب،ونقف هنا عند الضمير المنفصل (هو) الذي جاء للتوكيد، وقد أكّد الحق تبارك وتعالى نسبة الهداية والإطعام والسُّقْيا والشفاء إليه تعالى لأن هذه المسائل الأربع قد يدعيها غيره تعالى، وقد يظن البعض أن الطبيب هو الشافي أو أن الأب مثلاً هو الرازق لأنه الجالب له والمناول، والهداية قد يدّعيها واضعوا القوانين من البشر، وقد رأينا الشيوعية والرأسمالية والوجودية والبعثية وغيرها، وكلها تدّعي أنها لصالح البشر، وأنها طريق هدايتهم؛ لذلك أكد الله تعالى لنفسه هذه المسألة (الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ)(الشعراء ـ 78)، فالهداية لا تكون إلا من الله، وفي شِرْعته تعالى وقد تسأل في قوله تعالى:(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)،ولماذا نذهب إلى الطبيب إذن؟ نقول: الطبيب يعالج، وهو سبب للشفاء، أمّا الشفاء فمن الله، بدليل أن الطبيب ربما يمرض، ويعجز هو عن شفاء نفسه، وحين نُعرب (مَرِضْتُ)، نقول: مرض فعل ماضٍ والتاء فاعل، فهل أنا الذي فعلتُ المرض؟ وهذا مِثْل أن نقول: مات فلان، ففلان عامل مع أنه لم يحدث الموت؛ لذلك يجب أن نتنبه إلى أن الفاعل يعني مَنْ فعل الفعل، أو اتصف به، والفاعل هنا لم يفعل الفعل وإنما اتصف به، وقال:(مَرِضْتُ)، تأدباً مع الله تعالى، فلم يقل: أمرضني ونسب المرض الظاهر إلى نفسه.. إلخ . (انظر: تفسير الشعراوي 6/‏ 3543 وغيرها) ..في شرحه لهذه الآية في كثير من المواضع التي جاءت في تفسيره.
وحول آيات الشفاء ومعانيها يكون يتواصل حديثنا بإذن الله تعالى.

- محمود عدلي الشريف
ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى