الجمعة 14 أغسطس 2020 م - ٢٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / النقاط العالقة فـي سد النهضة لم تحسم
النقاط العالقة فـي سد النهضة لم تحسم

النقاط العالقة فـي سد النهضة لم تحسم

القيادة في إثيوبيا ينبغي أن تدرك أن مطالب مصر اليوم محصورة في تنظيم العملية بالشكل الذي يحفظ حقوق الجميع وليس على حساب أي طرف، وبإمكان إثيوبيا التعامل بشكل أكثر مرونة في سبيل إنهاء أزمة سد النهضة .

اختتمت يوم الاثنين الماضي ١٣ يوليو ٢٠٢٠م اجتماعات اللجان الفنية والقانونية ووزراء الري للدول الأطراف في مباحثات سد النهضة الإثيوبي دون تحقيق أي اختراق للنقاط الخلافية العالقة في الأزمة، وهي قضايا الملء والتشغيل، وإيجاد توافق بين الدول الثلاث حول فترات الجفاف الممتد، ومواسم ندرة الأمطار والتصريف، بالإضافة إلى مسألة أمان السد ومختلف النقاط الأخرى العالقة، ومن المنتظر أن يقدم كل طرف تقريره إلى الاتحاد الإفريقي الذي ترأسه دولة جنوب إفريقيا، وعلى أمل أن ينعقد مؤتمر قمة خلال الأسبوع المقبل لمحاولة التوصل إلى اتفاق يضمن حقوق مختلف أطراف الأزمة .
ماراثون طويل من المفاوضات والاجتماعات منذ اتفاق إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم مارس ٢٠١٥م، ذلك الإعلان الذي اعتمد في أحد مبادئه العشرة عدم اتخاذ أي إجراء أحادي قبل توقيع الاتفاق النهائي، علما أن إثيوبيا كانت قد أعلنت أنها ستبدأ الملء خلال شهر يوليو الجاري، فما الذي تخبئه الأيام القادمة في هذا الملف المتأزم؟
اجتماع القمة السابق للدول الأطراف قبل أسبوعين كان إيجابيا في عدول إثيوبيا عن قرارها ببدء الملء بشكل أحادي الجانب، لكن حرب التصريحات المتبادلة جعلت الموقف غير واضح، وبالتالي فإن أي إجراء أحادي من قبل إثيوبيا قبل التوصل لاتفاق نهائي سيضع مصر أمام خيارين: إما القبول بالواقع أو خيار الحسم الأمني/العسكري بما يجره ذلك من تداعيات خطيرة على الجميع، لذا يدرك الجميع اليوم أهمية التوصل إلى انفراج في النقاط العالقة وإتمام مسودة الاتفاق النهائي الذي يضمن حقوق الجميع، خصوصا مصر التي تتعرض لأحد أخطر مهددات الأمن القومي نظرا لما يمثله نهر النيل في حياة (١٠٠) مليون مواطن مصري، كما عاشت مختلف حضاراتها على هذا النهر العظيم وارتبطت به وجدانيا وثقافيا ومعيشيا، والمعروف أن كل الأنهار حول العالم لا يمتلك التصرف في منابعها دول المنبع، لذلك نظمت اتفاقيات ١٩٠٢، ١٩٢٩، ١٩٥٩م تلك الحقوق في عدم المساس بحقوق دولة المصب مصر، بل إن تلك الاتفاقيات منعت قيام أي مشاريع وإنشاءات على منابع النيل دون موافقة مصر .
مصر تدرك اليوم أن سد النهضة واقع قائم رغم عدم إخطارها في بداية إنشائه ولا تمانع من استفادة إثيوبيا اقتصاديا في إنتاج الكهرباء من خلال هذا السد العملاق الذي يعتبر من أكبر مشاريع السدود حول العالم، حيث يستوعب (٧٤) مليار متر مكعب، وهو ما يعادل حصتي مصر والسودان خلال عام كامل؛ أي (٥٥،٥) مليار لمصر و١٨،٥ مليار للسودان، لذا يقع على عاتق الاتحاد الإفريقي مسألة مهمة جدا في احتواء هذا الملف وتجنب تصعيده، وتأكيد عدم إقدام إثيوبيا على أي إجراء أحادي قبل التوصل إلى حلول مقبولة حول النقاط الخلافية فيما يتعلق بفترات الجفاف وبقية النقاط الأخرى وتوقيع الاتفاق الذي يضمن حقوق جميع الدول الأطراف .
مصر تدرك أن ملء سد النهضة ـ بلا شك ـ سوف يعرض حصتها السنوية من المياه إلى نقص شديد ولكنها تقبلت ذلك، إلا أن تنظيم عملية الملء والتشغيل ووضع آلية واضحة تراعي فترات الجفاف وندرة الأمطار، وبقية النقاط الفنية والقانونية الأخرى بما لا يعرض مصيرها وأمنها القومي وحياة شعبها لمخاطر كبرى هي ضرورة استراتيجية تقع على عاتق الجميع، علما أن مصر تعاني من شح المياه في الظروف الاعتيادية لفترات الجفاف وندرة المياه، وتقل المياه في الترع بما يؤثر على الزراعة ومختلف الاستخدامات الأخرى، كما يتعرض السد العالي لمخاطر جراء نقص المياه بشكل قد يؤدي إلى توقف بعض مولداته عن العمل في فترات الجفاف، فكيف سيكون عليه الحال في ظروف الملء في فترات الجفاف؟! وهنا ينبغي على إثيوبيا تدارك تلك الحقائق واعتبار الأمن القومي لمصر مرتبطا بأمنها القومي خصوصا أن حاجتها اقتصادية في توليد الكهرباء، بينما حاجة مصر معيشية حياتية، علما أن إثيوبيا تعتمد على مياه الأمطار في الري ولا تعتمد على نهر النيل، لذلك تم بناء السد على حدودها الشمالية مع السودان، وهذا الأمر يضع السودان أيضا أمام أخطار محدقة لو حدثت أي مشاكل أمنية في سد النهضة .
القيادة في إثيوبيا ينبغي أن تدرك أن مطالب مصر اليوم محصورة في تنظيم العملية بالشكل الذي يحفظ حقوق الجميع وليس على حساب أي طرف، وبإمكان إثيوبيا التعامل بشكل أكثر مرونة في سبيل إنهاء أزمة سد النهضة .
إن الأمن القومي المصري لا يعني مصر وحدها، بل هو أمن قومي عربي وإفريقي أيضا، والتاريخ سجل لمصر مواقف وأدوارا مضيئة، لذا ينبغي أن يستذكر الجميع تلك المواقف التاريخية المضيئة، ومن المهم أن تدرك دول القارة الإفريقية أن العامل الخارجي الذي يتربص بالجميع لتحقيق أجندته يحاول استثمار هذه الأزمة لتحقيق مآربه وأجندته، عليه يجب أخذ الأمر من مختلف جوانبه . نأمل أن تدرك إثيوبيا أهمية إبداء مرونة في تحقيق انفراجة حول النقاط العالقة، وإتمام الاتفاق النهائي الذي يؤمن حقوق جميع الأطراف، ويحفظ الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة .

خميس بن عبيد القطيطي
khamisalqutaiti@gmail.com

إلى الأعلى