الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شكر النعمة .. وواجب المسلم في النعماء والضراء

شكر النعمة .. وواجب المسلم في النعماء والضراء

المفتي العام للسلطنة: لزاماً على المسلم وهو يواجه ما في هذه الحياة
من نعماء وضراء وشدةٍ ورخاءٍ أن يُنيبَ إلى اللهِ سبحانه وتعالى على كلِّ حال
إعداد ـ احمد بن سعيد الجرداني:
أخي القارئ الكريم اختي القارئة الكريمة .. اخترنا لكم اليوم خطبة بعنوان (شكر النعمة) لسماحة الشيخ العلامة احمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة واتي القاها منذ اعوام مضت .. فمع الموضوع..
يقول سماحة الشيخ: إنّ للمؤمنِ في كلِّ موقفٍ مُعتبراً ، وفي كلِّ أمرٍ مُدّكراً، وأمرُه عجيبٌ كلُّه ، فهو إنْ أصابتْه حسنةٌ شكَرَ، فكانتْ له خيراً، وإنْ أصابتْه سيئةٌ صبرَ ، فكانتْ له خيراً ، وإنما المؤمنُ يحرصُ على أن يكونَ موصولاً بربِّه سبحانه وتعالى في كلِّ حالٍ من الأحوالِ ، فعندما يشاهِدُ نعماءَ يبسطُ يديه لشكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ الذي أنعمَ بها ، وذلك مما يجعلُ هذه النعمةَ تتوالى وتستمرُّ ، وعندما يُصابُ بضراءَ فإنّه يصبرُ على ذلك ، ويعلمُ أيضاً أنّها من عند اللهِ العزيزِ الحكيمِ ، وأنّه تباركَ وتعالى لم يبتلِه بها إلا لما يعلمُه فيها له من مصلحتِه ، وبسببِ ذلك أيضاً يُؤجرُ هذا المؤمنُ ، ويكونُ موصولاً باللهِ على كلِّ حالٍ ، ثم إنّه ولا ريبَ يعلمُ أنَّ وراءَ كلِّ سببٍ مُسبِّباً ، فاللهُ سبحانه وتعالى مسبِّبُ الأسبابِ ، وهو الذي يؤذِنُ لهذه الأسبابِ أن تصلَ إلى مسبِّباتِها، واللهُ تعالى في محكمِ كتابِه الكريمِ وصلَنا بهذه العقيدةِ، التي تعرِّفُنا بأنَّ لهذا الكونِ مُكوِّناً ، وبأنَّ وراءَ أسبابِه مُسبِّباً ، فالآياتُ الكثيرةُ في كتابِ اللهِ تُؤذِنُ أنَّ الإنسانَ لا يمكنُ أن يصيبَه إلا ما كتبَه اللهُ له أو عليه، يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى :(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ ، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام 17 ـ 18 (، ويقولُ لنبيِّه (صلى الله عليه وسلم):(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة ـ 51)، ويقولُ سبحانه:(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس ـ 107)، ويقولُ عزَّ وجلَّ:(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) (فاطر ـ 2) ، ويقولُ تباركَ وتعالى : (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (الزمر ـ 38)، ويقولُ تعالى:(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد ـ 16)، ويقولُ لنبيِّه (صلى الله عليه وسلم):(قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ) (الأعراف ـ 188) ، ويقولُ تباركَ وتعالى أيضاً مُؤكِّداً وجوبَ الإيمانِ به والتوكّلِ عليه : (وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة ـ 51) ، (وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (يوسف ـ 67) ، فإنَّ التوكّلَ قرينُ الإيمانِ ، وقرينُ عبادةِ اللهِ سبحانه ، ولذلك يتصِفُ به المؤمنون الذين يُنيبون إلى اللهِ ، ويرون أنَّ كلَّ سببٍ وراءه مسبِّبٌ ، وهو اللهُ سبحانه وتعالى الواحدُ القهّارُ، ومن أجلِ ذلك فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالى أمرَ بالتوكلِ عليه مع الأمرِ بعبادتِه، يقولُ تعالى:(وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (هود ـ 123).
وقال سماحة الشيخ: فمِن هنا كانَ لزاماً على المسلمِ وهو يواجِهُ ما في هذه الحياةِ من نعماءَ وضراءَ ، وشدةٍ ورخاءٍ أن يُنيبَ إلى اللهِ سبحانه وتعالى على كلِّ حالٍ ، وأن يكونَ موصولاً بحبلِ ربِّه المتينِ، عاضّاً بالنواجذِ على دعائمِ اللهِ ، ففي ذلك أداءُ شكرِ اللهِ تعالى على نِعَمِه ، وفي ذلك أيضاً وقايةٌ من شرِّ ما يخشاه الإنسانُ من نِقَمِه ، فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى هو الذي خلقَ هذا الكونَ بأسرِه ، وهو الذي يوجِّهُ كلَّ ذرّةٍ من ذرّاتِه ، فلو أنّه سبحانه وتعالى تخلّى عن أيِّ ذرةٍ من ذرّاتِ هذا الكونِ ؛ لكانَ ذلك مُفضياً إلى أنْ لا يقرَّ قرارٌ لتلك الذرةِ ، ولو أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أيضاً تخلّى عن أعظمِ شئ في هذا الكونِ ؛ فإنّه لا يمكنُ أن يقرَّ له قرارٌ، فالصغيرُ والكبيرُ من هذه الكائناتِ بين يدَيْ اللهِ تباركَ وتعالى سواءٌ ، وقد قالَ تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (فاطر ـ 41)، فلو أنّ هذا الإنسانَ لم يَرعَه اللهُ تبارك وتعالى برعايتِه ويُحِطْه بعنايتِه، وهو يصطدمُ بنظامِ هذا الكونِ لكانَ في أمرٍ خطيرٍ جدّاً، إلا أنّ اللهَ تباركَ وتعالى أمسكَ هذا الكونَ بقدرتِه وحكمتِه، وسخّرَه للإنسانِ بإرادتِه وبحكمتِه، فهو تباركَ وتعالى يسخِّرُ هذه الأسبابَ، ولذلك فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى كما أمرَ عبادَه بعبادتِه ذكّرَهم بهذه النِّعَمِ العظيمةِ بجانبِ تذكيرِه إيَّاهم بخلْقِهم وخلْقِ أصولِهم ليعرِفُوا نعمةَ اللهِ تعالى عليهم، يقولُ تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة 21 ـ 22).
وإذا كانَ كلُّ فردٍ من أفرادِ الأمةِ مُطالَباً بأنْ يحمدَ اللهَ تعالى على نعمتِه التي أسبغَها عليها ؛ فإنَّ النعمةَ التي تشملُ الأمةَ يجبُ على جميعِ أفرادِها أن يشتركوا في نعمةِ اللهِ تباركَ وتعالى عليهم بها ، وأن يحفظوا للهِ تعالى عهدَه ، وأن يُطيعوه في كلِّ ما أمرَهم به ، وفي كلِّ ما نهاهم عنه ، فإنَّ في ذلكم كلِّه الخيرَ لعبادِ اللهِ ، والخيرَ لهذه الأمةِ ، وبذلك استقرارُ الأمورِ في مقرِّها بمشيئةِ اللهِ تعالى.
فمِن هنا كان الواجبُ على كلِّ مسلمٍ ـ وهو يواجِهُ سراءَ أو ضراءَ ـ أن يشكرَ نعمةَ اللهِ تعالى التي بسطَها له ، وأن يصبرَ على الضراءِ حتى يكشفَها اللهُ تباركَ وتعالى عنه ، وأن يُنيبَ إلى اللهِ ، وأن يحاسِبَ نفسَه حساباً دقيقاً على الشكرِ والصبرِ جميعاً ، فاللهُ تعالى يجزي الصابرين بغيرِ حسابٍ ، وهو سبحانه يوفّي للشاكرين أجورَهم ، وقد وعدَهم اللهُ أن يزيدَهم من فضلِه ، فقد قالَ تعالى :( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم ـ 7).
وحث سماحة المفتي العام للسلطنة المسلمين قائلاً: إنَّ مِن شكرِ اللهِ تباركَ وتعالى على نِعَمِه التواصيَ بينهم على استدامةِ هذا الشكر ، وذلك بالعملِ بطاعتِه تعالى ، واجتنابِ معصيتِه ، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جعلَ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ حِمىً منيعاً، وركناً ركيناً، وحصناً حصيناً، فمَن آوى إلى ركنِهما حماه اللهُ تباركَ وتعالى، ووقاه كلَّ شرٍّ، ولذلك فإنَّ اللهَ تعالى نعى على الذين لم يكونوا يتآمرون بالمعروفِ ويتناهون عن المنكرِ فيما بينهم ، وكتبَ عليهم عذابَه ، وسجّلَ عليهم لعنتَه عندما قالَ عزَّ مِن قائلٍ:(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) (المائدة 78 ـ 79) ، وقد قرنَ اللهُ تعالى بين الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ ، وبين إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ ، وجعلَ كلَّ ذلك من نصرِ العبدِ للهِ الذي يستحِقُّ به نصْرَ اللهِ ، فقد قالَ عزَّ مِن قائل :( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) (الحج 40 ـ 41).

المصدر «موقع القبس الالكتروني» لعبدالله القنوبي

إلى الأعلى