الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رصيد الحصانة الاقتصادية

رصيد الحصانة الاقتصادية

عادل سعد

ينشغل خبراء الشؤون الاقتصادية إلى أبعد حد في البحث عن نقاط التقاء لإيجاد إجابات مستوفية للقناعة عن ضمانات الحصانة التي ينبغي توفرها لأي اقتصاد من الاقتصادات، والنأي به بعيدًا عن هزات الكساد والركود أو بالحد الأقل التذبذب والمراوحة، وما تخلف تلك الهزات من تراجع وعجز وربما مساعٍ آنية لمداواتها بالمسكنات فحسب وليس بالمعالجة الجذرية.
وإذا كان الخبراء يختلفون على بعض النقاط اللازمة لهذه الحصانة فإنهم لا يمكن أن يختلفوا على نقاط تمثل مفتاحًا للضمانات المشار إليها:
النقطة الأولى: وجود رصيد قدرة في التعامل مع بعض الإخفاقات التي يمكن أن تحصل في هذا الميدان الاقتصادي أو ذاك، وتحتاج هذه القدرة في أغلب الظروف إلى وجود مؤشرات يمكن الركون إليها في اكتشاف الخلل المحتمل قبل حدوثه، والسؤال: من أين تأتي هذه القدرة؟ الواقع أنها نتاج النمو المتوازن المحسوب على أساس إمكانات ونتائج ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحاجة إلى التنمية المستدامة. إن من أهم حسابات القدرة هنا ترشيد الكلف حتى مع وجود إمكانيات لتغطية كل مشاريع الخطط التنموية بمدياتها، السنوي، أو الطويل الأمد، وهنا يكون الضبط قد أخذ تأثيره مع هامش مراجعة بين الحين والآخر لمعرفة أين يقف هذا الاقتصاد؟ وما النتائج المتحققة؟ وأين هو ذاهب؟ وهكذا فإن مراجعة دورية من هذا النوع كفيلة بأن تكون صمام أمان لنجاح النشاطات الاقتصادية العامة.
وإذا كنا نستعين بالدعاء (اللهم إني أعوذ بك من التائهات) فإن التائهات اقتصاديًّا تكمن في الكوارث الطبيعية التي قد تعطل الاقتصاد، ومن التائهات أيضًا اقتصاديًّا ما يحصل في بلدان على علاقة مع هذا الاقتصاد أو ذاك الذي تكون خسارته جسيمة نتيجة إخفاقات معينة، ويحسب على الفساد أيضًا أنه من مضادات القدرة على الحصانة إذا كان بأغطية سياسية واجتماعية تمنع المكاشفة والردع الحاسم.
النقطة الثانية: وتكمن في تدرج النمو، وهنا لا أجد ضمانة لحصانة اقتصادية أكثر أهمية منها، لأنك بالتدرج تعرف كيف تسير، ولكن أي تدرج مطلوب؟ إنه التدرج الذي لا يقع تحت طائلة الانتظارات الطويلة، فمثلما يؤدي المال السائب إلى تعلم السرقة، فإن الاقتصاد السائب بمديات زمنية لا تخضع لتوقيتات مناسبة يعلم التراخي في الإنجاز التنموي.
وهكذا لا بديل عن التدرج المفعم بالأمل والثقة والحرص على المزامنة المرتبطة بالواقع العام للمجتمع.
النقطة الثالثة: أن يكون الرأي العام في الدولة، أية دولة على بينة فعلية عن المضامين والأهداف التنموية، وهنا يتصدر الموقف الأخلاقي الوطني قائمة العوامل الأساسية لإعانة الحكومات في تنفيذ السياسات التنموية ذات الأبعاد الإنتاجية التي تأخذ بضرورة أن لا تعتمد على سياسات إرضائية آنية تأكل من حصة النمو الحقيقي، مع ملاحظة أن مآخذ أغلب السياسات الإرضائية أنها تسعى إلى إشباع حاجات استهلاكية وخدمية يتطلبها المجتمع دون أن ينظر إلى أن الاقتصار على ذلك قد يؤدي بالنتيجة إلى الوقوع في دوامة المطالب والإرضاءات التي لا تنتهي.
النقطة الرابعة: أن يكون هناك هامش من السياسات الاقتصادية الدولية التي لا يمكن أن تتجرد من مفردات المنافسة، غير أنها ينبغي أن تكون منافسة مشروعة في إطار فرضية الجودة والمصالح المشتركة والعدالة، وتلك من النقاط التي أخفق المجتمع الدولي في تحقيقها.
لقد تبين ذلك في أكثر من خلاف واحد ضمن منظمة التجارة العالمية، والمواقف المتعلقة بالإصحاح البيئي، وما يعرف بالحروب التجارية غير المشرفة التي تستمد حضورها من الغش والصفقات القائمة على غسيل الأموال المحرمة، كما يمكن الاستدلال على هذه الخلافات من النتائج المتواضعة لقمة العشرين التي انعقدت قبل أيام في أستراليا (لتحسين نتائج التجارة والتوظيف وجعل الاقتصاد العالمي أكثر مرونة للتعامل مع الصدمات في المستقبل)، وكيف أن الكثير من الأسئلة الحائرة ظلت دون إجابات؛ لأن بعض الدول رفضت التنازل عن مكاسب حققتها في توجهات احتكارية عديدة، ليس أقلها ما يجري من تخطيط خلف الأبواب للهبوط بأسعار النفط والغاز.

إلى الأعلى