الأحد 27 سبتمبر 2020 م - ٩ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / سجين بلا سجان
سجين بلا سجان

سجين بلا سجان

نجوى عبداللطيف جناحي:
عجبي ممن يسجن نفسه بين أسوار!! فيكبل حريته، ويقيد انطلاقه في هذه الحياة، عجبي ممن يُغرق قلبه في الخوف حيث يلبس نفسه الأغلال وكأنه سجين لا أمل له في الحرية، عجبي ممن أدمن الخوف فابتلي بالضعف والعجز، فتراه يصطنع الأسباب للخوف، يخاف كل شيء حوله، يخاف المرض، فكلما سمع عن مرض ما وأعراضه، فإذا به يشعر بالداء وهو سليم، يخاف من فقدان الأحبة حتى يفقد لذة قربهم ووصلهم، يخاف من الحاجة والفقر، فيكنز المال ويحرم نفسه وأهله الاستمتاع به، فيصدق القول فيه (الناس من خوف الفقر في فقر) يخاف من المجهول وكل ما هو جديد فيصبح حبيس الموجود، فلا يغير عمله ولا يسافر خوفا من الطائرة، أو الغربة أو الحوادث، يخاف من الموت حتى يفقده لذة الاستمتاع بالحياة، تجده يخاف الناس، يخاف نقدهم، لومهم، وعتابهم حتى ينزوي عنهم ويعتزلهم ليتضرع مرارة الوحدة، فيشعر بأنه منبوذ منهم، فيعمر قلبه بالحقد عليهم ويشعر بالظلم والانتقاص، لعمري إن الخوف داء عضال، فتجد من يعاني من داء الخوف يستوطن الحزن قلبه، ويرافق الكآبة حتى تهجره الابتسامة والسعادة.

إن الخوف داء وأي داء، فتجد من يخاف يعاني من مشاكل صحية، وأوجاع جسدية فيلقي بجسده بين يدي الطبيب راجيا الشفاء، فمن الآلام التي يعاني منها مدمن الخوف: آلام في الصدر، وضيق التنفس، وزيادة ضربات القلب، وصعوبة في البلع، والإحساس بالضغط في الحنجرة، والدوخة والدوار، وعدم الاتزان، وأعراض كثيرة أخرى، فيبدأ مشوار طويل من الفحوصات، فينفق الأموال الباهظة على هذه الفحوصات، ناهيك عن الوقت الضائع والقلق، لعمري إنه ليستحق كلمة مسكين، لعمري إنه ليستحق الشفقة!!! فإدمان الخوف يؤدي إلى الأمراض الجسدية الحقيقية.
فترى لِمَ يخاف؟ ولِمَ يعجز عن مواجهة هذا الخوف؟ حنانيك يا هذا، فلا ترشقه بالتهم، والتمس العذر له، هو ليس جبانا، وليس بضعيف إيمان، لكنه ضحية تصدع أسري، معاناة من خلافات أسرية قاسية في طفولته، وقد تجرع الهم باكرا حتى أوهنه، أو قد يكون عانى من فقدان من يسانده في طفولته، وقد يكون السبب في إدمانه للخوف مواجهته لمرض خطير، وبعض الآثار الجانبية للأدوية، أو أعراض مرض ما جميعها تؤثر في مستويات القلق لديه، أو قد يكون السبب تتغير بنية الدماغ، ووظيفته، نتيجة توترات، وقد يكون السبب وراثيا. ومع كل هذه الأعذار التي ذكرناها، إلا أن دواء الخوف بيد الإنسان نفسه، فأول وسيلة لعلاج هذا الداء التسلُّح بالإرادة القوية والعزيمة والإصرار فيثق بنفسه وبقوته، وهنا يأتي دور الأسرة في تشجيعه وتعزيز ثقته بنفسه.
ودواء الخوف في الطمأنينة، فعليه أن يثق بأن كل ما سيصيبنا هو ما كتبه الله لنا، ويؤمن منذ البداية بأن الحال الذي هو فيه، ما هو إلَّا ابتلاء من رب العالمين، وبصبره على الابتلاء ينال الثواب ويجزيه الله حسن الجزاء، وينبغي على الشخص المصاب بداء الخوف أيضا، أن يكون واثقا تمام الثقة بأن الله هو الشافي المعافي، وعليه أن يتقرب إلى الله بالعبادات، والذكر والتسبيح، وأن يحافظ على الصلاة في مواعيدها، وأن يصلِّي النوافل، وأن يقرأ القرآن، وأن ينام على جنبه الأيمن، وأن يكثر من الصدقات وعمل الخير.
ودواء الخوف في تجنب العزلة ومجالسة الأهل والأصدقاء، وشغل وقت الفراغ بالهوايات، وأرى أن في القراءة والمطالعة وسيلة فعالة لعلاج هذا الداء؛ كونها توسع الأفق والمدارك، وترفع من روحه المعنوية، وتعزز من قناعته بإمكانية الشفاء والمعافاة، لكن يجب انتقاء تلك الكتب، فليست كل الكتب تصلح للقيام بذلك الدور العلاجي؛ فالكتب المطلوبة لهذه الغاية يجب أن تكون كتبا رفيقة لينة، ليس فيها ما يعكِّر مزاجه، والاستمتاع بالبحر وبالمناظر الطبيعية تنعكس على نفسية هذا الشخص وتساعده على الشفاء، وعموما فالانشغال أمر ضروري كي لا يكون أسيرا لهذا الخوف فلا ينال منه ما ينال.
ودواء الخوف في البعد عن التوتر والانفعالات الحادة والخلافات، لا سيما الأسرية منها، ودواء الخوف في اتباع النظام الغذائي الصحي، بالإكثار من تناول الفواكه والخضراوات والبعد عن الوجبات الدسمة، كما عليه الانقطاع عن تناول المنبهات؛ كالقهوة، والشاي، والمشروبات الغازية؛ فهي سيِّئة الأثر على الحالة العصبية والمزاجية للشخص المصاب بالوسواس، كما عليه شرب الماء وبكميات وافية، والنوم لساعات كافية، فقلة النوم تُسبِّب الأرق وتعب الأعصاب. وختاما أوجز حديثي بكلمة علينا أن ندير قلوبنا بعقولنا… ودمتم أبناء قومي سالمين.

كاتبة بحرينية

إلى الأعلى