الأحد 27 سبتمبر 2020 م - ٩ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الكوارث المناخية الخطر القادم

الكوارث المناخية الخطر القادم

محمد بن سعيد الفطيسي

تعد التحديات والتغيرات والظواهر المناخية من القضايا التي أثرت بشكل واضح وعميق في استقرار السياسة العالمية والعلاقات الدولية، وسيستمر ذلك التأثير في القرن الراهن بشكل أكبر وأوسع مما سبق، وذلك عبر ما تخلفه وتتركه على الساحة العالمية من تداعيات خطيرة او تتشارك به مع عوامل أخرى في أحداث تلك الآثار والنتائج التي يقع على رأسها ارتفاع نسبة النزاعات والحروب المسلحة على الموارد، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتوتر العلاقات الدبلوماسية بين الوحدات السياسية الدولية.
فالتحديات المناخية مثلها مثل التحديات الصحية كالأمراض والأوبئة المعدية لا تمايز بين دول كبرى وأخرى صغرى، أو بين لون أو جنس أو دين أو مكانة اجتماعية، كما أنها لا تفرق في أضرارها بين ما هو من البشر وبقية المخلوقات، أضف إلى ذلك أن نتائجها غير المباشرة وفي كثير من الأوقات تتسبب بما هو أخطر بكثير من نتائجها المباشرة، كما هو حال التعرض لهزات الزلازل وموجات تسونامي أو انفجار البراكين على سبيل المثال أو الاحتباس الحراري.
حيث الآثار الاقتصادية الوخيمة وانتشار الكوارث الصحية الأخرى كالأمراض نتيجة تراكم الجثث تحت الأنقاض لفترات طويلة، أو نقص المياه والطعام أو حتى بإحداث خلل جسيم في النظام البيئي نفسه، حيث تتسبب هي الأخرى بكوارث مناخية أخطر.
يضاف إلى ذلك ما يتبع تلك التحديات والظواهر من استنزاف للطاقات البشرية والموازنات المالية للدول والتأثير في النظم الاجتماعية والاقتصادية. فعلى سبيل المثال، يستدعي “التغير المناخي الناتج عن الارتفاع الهائل في حجم الانبعاثات الدافئة إلى حشد الطاقات البشرية والخبرات الدولية لمواجهة الآثار السلبية الناتجة عنه والمتمثلة في ارتفاع درجة الحرارة والنقص الحاد في مصادر المياه العذبة وتراجع المحاصيل الزراعية وانتشار ظاهرة التصحر وتراجع خصوبة التربة وارتفاع مستوى سطح البحر، فضلا عن تآكل الشواطئ وارتفاع حجم الكوارث البيئية من فيضانات وعواصف وغيرها من الظواهر”( 1)
إذًا “أصبحت قضايا البيئة والتغيرات المناخية تأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام الدولي والعالمي في الوقت الراهن، لدرجة أنه لم يعد من المقبول (في كثير من الأوقات) أن تناقش قضايا العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية والأمنية دون الأخذ في الاعتبار مسائل تتعلق بالبيئة والتغيرات المناخية الحالية والمستقبلية وتأثيرها على بني البشر ومستقبلهم، حتى ربما يمكننا القول إن التحديات التي تفرضها قضايا البيئة في العقود القادمة سوف تكون بمثابة عوامل محددة لكيفية تطور وإدارة العلاقات السياسة بين الدول”( 2), وقد تنبأ البروفيسور والباحث الأميركي لورنس سميث( 3) في نظريته حول القرن القادم بأن “التغيرات المناخية سوف تحدث آثارا ودمارا هائلا على كوكب الأرض، وسوف تفرز نتائج كارثية وتزداد المتاعب من الفيضانات والزلازل والفقر والهجرة والنزاعات والصراعات حول الموارد والمياه والغذاء”.
على ضوء ذلك، فإني من هنا أدق ناقوس إنذار لمختلف الجهات والمؤسسات المعنية بإدارة الكوارث الطبيعية في السلطنة إلى العمل على الاستعداد لمثل هذه الكوارث المناخية والبيئية المستقبلية العالمية، وأن يتم البدء بأسرع وقت ممكن في إعداد سيناريوهات لإدارة الأزمات والكوارث المختلفة، دون انتظار وقوع أي من تلك الأخطار المستقبلية، والأهم من ذلك تجهيز وتهيئة المناخ الإداري والفني في مختلف المحافظات لمواجهة هذا النوع من الكوارث الطبيعية المستقبلية، عبر الاستعداد التام، وأخذ الاحتياطات اللازمة لذلك من جميع الجوانب.
كما يجب أن نعيد هندسة تلك السيناريوهات السابقة والتي تعاملت معها السلطنة في سياق مواجهة بعض تلك الكوارث الطبيعية والبيئة والصحية، ولله الحمد، لنا في ذلك تجارب ناجحة وطيبة إلى حد بعيد، كما هو الحال التعامل مع الأنواء المناخية، مع التأكيد على أن كل أشكال الإدارات ومواجهة تلك الأزمات ستبقى اجتهادات بشرية ومساعي إنسانية قاصرة في مواجهة ما هو أكبر بكثير من قدرة الإنسان، ولكن بكل تأكيد من الضروري العمل على تصحيح القصور والأخطاء، ورفع مستوى الكفاءة البشرية وتلك الخاصة بالمؤسسات وهندسة الأزمات والكوارث، مع التأكيد على أن مثل هذه الكوارث الطبيعية والبيئية والصحية ستتكرر وستعود للظهور والانتشار خلال الفترة الزمنية المستقبلية.
• حفظ الله عمان الأرض والسكان والقيادة من كل سوء، وجنبها الفتن والقلاقل والكوارث ما ظهر منها وما بطن. اللهم آمين.
ـــــــــــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ – اولي براون واليك كروفورد, ارتفاع درجة الحرارة وتصاعد التوترات .. تغير المناخ وخطر الصراع العنيف في الشرق الأوسط, تقرير صادر من المعهد الدولي للتنمية المستدامة, 2009م
2 ـ – د. شمال حسين مصطفى, السياسة الدولية بين الفوضى والنظام – دراسة تحليلية في الاستقرار واللاستقرار في العلاقات الدولية – مكتبة الوفاء القانونية, الاسكندرية/ مصر, ط1/2018م
3ـ – لورنس سميث هو أستاذ ورئيس قسم العلوم الجغرافية في جامعة كاليفورنيا

إلى الأعلى