الثلاثاء 11 أغسطس 2020 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / حديث القرآن عن الأمراض والأوبئة (5)

حديث القرآن عن الأمراض والأوبئة (5)

محمود عدلي الشريف*
.. والرابعة:(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) (فصلت ـ ٤٤)، في قوله تعالى:(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ) تشبيه بليغ، حيث جعل القرآن الهدى نفسه والشفاء نفسه، يهديهم إلى سبل الرشاد ويشفيهم من أوصاب الجنون .. انظر (الجدول في إعراب القرآن 24/ 320)، والمعنى:(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ) أي: قل يا محمد: هذا القرآن للذين آمنوا به وصدقوا بما فيه (هدى)، أي: بيان للحق، و(شفاء) أي: دواء من الجهل، انظر (الهداية الى بلوغ النهاية 10/ 6539)، وقيل:(وشفاء) أي: يهتدون به إلى الحق، ويشتفون به من كل شك وشبهة، ومن الأسقام والآلام، كما جاء في (فتح القدير للشوكاني 4/ 595)، والخلاصة: أن القرآن الكريم جاء بمادتي المرض والشفاء باختلاف تراكيبهما بين الفعل والمصدر، واختلاف معانيهما بين الخاص والعام، وقصدهما بين التفصيل الإجمال، ليجمع القرآن العظيم بذلك جمع الأمراض بمعانيها الحسية والمعنوية، والفردية والجماعية، بل وظاهرها وباطنها، والجدير بالذكر أن بهذا الاحتواء يكون القرآن المجيد قد تضمن جميع الأمراض القديمة منها والمستحدثة، وما يعلم منها وما لا يعلم، ومنها يكتشف منها وما لم يستكشف منها حتى الآن، كما أنه تضمن العظيم منها والقليل، واشتمل أيضًا على الأمراض البسيطة الفردية، والأمراض المعقدة منها والوبائية، (فَالْقُرْآنُ هُوَ الشِّفَاءُ التَّامُّ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْوَاءِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، وَأَدْوَاءِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا كُلُّ أَحَدٍ يُؤَهَّلُ لِلِاسْتِشْفَاءِ بِهِ. وَإِذَا أَحْسَنَ الْعَلِيلُ التَّدَاوِيَ بِهِ، وَوَضَعَهُ عَلَى دَائِهِ بِصِدْقٍ وَإِيمَانٍ وَقَبُولٍ تَامٍّ وَاعْتِقَادٍ جَازِمٍ وَاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ ـ لَمْ يُقَاوِمِ الدَّاءُ أَبَدًا. وَكَيْفَ تُقَاوِمُ الْأَدْوَاءُ كَلَامَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، الَّذِي لَوْ نَزَلَ عَلَى الْجِبَالِ لَصَدَّعَهَا، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ لَقَطَّعَهَا؟! فَمَا مِنْ مَرَضٍ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ إِلَّا وَفِي الْقُرْآنِ سَبِيلُ الدِّلَالَةِ عَلَى دَوَائِهِ وَسَبَبِهِ وَالْحَمْيَةِ مِنْهُ، لِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا فِي كتابه) انظر(شرح الطحاوية ـ ط الأوقاف السعودية ص: 253)، ولِمَ لا؟! و(القرآن شفاء لكل داء فمن نزلت به شدة حسية أو معنوية، دنيوية أو دينية، ففزع إليه بالتلاوة أو الصلاة به، رأى فَرَجًا، وقريبًا، فالالتجاء إلى كلام الله هو الالتجاء إلى الله، فإنَّ الحق تعالى يتجلى في كلامه للقلوب على قدر صفائها، وأما من التجأ إلى غير الله فقد خاب رجاؤه وبطل سعيه قال تعالى:(وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) تميل إليه فيأويك) المصدر(البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 3/ 264).

وإليكم ـ إخواني الكرام ـ تفصيل بعضٍ من حديث القرآن الكريم عن الأمراض والأوبئة، أولًا: الأمراض المعنوية: 1ـ الأمراض المعنوية على المستوى الفردي: لقد تضمن القرآن الكريم ـ كما ذكرت آنفًا ـ كل الأمراض بمجملها وتفصيلها، بل وقد أشار إلى مستجداتها وفق إرادة الله سبحانه، ولو تأملنا الإشارات القرآنية في حديثه عن الأمراض التي تقتصر على فرد بذاته، وخاصة المعنوي منها لوجدنا الكثير والكثير، بل لقد اشتملت آيات القرآن العظيم على مراحل الإنسان العمرية، وما يصاحبها من لوازم حياتية، ومن تلك الجوانب المرضية، فقد تحدث القرآن الكريم عن الأمراض الشخصية بكل أنواعها، وبكل نواحيها، فقد ذكرها إجمالًا وتفصيلًا، من حيث الجانب الحسي الفسيولوجي، ومن حيث الجانب النفسي الشعوري المعنوي، وإليكم نماذج من هذه الأخيرة: 1ـ الأمراض القلبية: لقد ركز القرآن على القلب لأنه هو الأصل فإن صلح صلحت سائر الأعمال، كما قال رسولنا الأعظم فيما روي عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب (الإيمان)، باب فضل من استبرأ لدينه ج1ص 28 برقم 52، ورواه مسلم في كتاب (البيوع)، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ج3ص 1219 برقم1599.

ومن أهم الأمراض القلبية التي ركز عليها القرآن الكريم: الغفلة:(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف ـ ٢٨)، ولو تدبرنا لفظ (القلب) يطلق على معنيين، أحدهما:(اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض الدينية وهذا القلب موجود للبهائم بل هو موجود للميت ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك فإنه قطعة لحم لا قدر له وهو من عالم الملك والشهادة إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلاً عن الآدميين، والمعنى الثاني: هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ولها علاقة مع القلب الجسماني وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان) انظر (إحياء علوم الدين 3/ 3)، (تشهد العقول بأنه لا يقدر على هذا التقليب إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة فحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة ويتخلص من مرض قلبه، فإن أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما كان قد يقوى مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلًا فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر الأمر لأنّ الطبيب إذا كان مشفقًا حاذقًا فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه وإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وفي تخفيفه فلما كان مرض الدنيا مستولياً على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوى إلى معرفة الله سبحانه وتعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس وقل من يقبله وينقاد له لا جرم أنّ الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض فحملوا الخلق على الشروع في الطاعة والعبودية من أوّل وقت القيام من النوم لأنه مما ينفع في إزالة هذا المرض) انظر (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير 2/ 328)، فالقرآن إذن (يشمل جميع أمراض القلوب؛ فهو يوضح أمراض القلوب ويشخصها، ويرشد العباد إلى كل وسيلة يحصل بها زوالها وشفاؤها، فيذكر لهم أمراض الجهل والشكوك والحيرة وأسباب ذلك، ويرشدهم إلى قلعها بالعلوم النافعة واليقين الصادق، وسلوك الطرق الصحيحة المزيلة لهذه العلل ..) من كتاب (تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن 1/ 6) .. ويبقى الحديث موصولًا بإذن الله تعالى عن الأمراض المعنوية للفرد التي تحدث عنها القرآن العظيم.

*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى