الثلاثاء 4 أغسطس 2020 م - ١٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / من جونو إلى كورونا.. السلطنة قادرة

من جونو إلى كورونا.. السلطنة قادرة

فوزي رمضان
صحفي مصري

في السادس من يونيو من العام 2007، وبعد أن غرقت البيوت وتحطمت المركبات، خرجت صباحا أبحث عن الشارع الرئيسي في المنطقة التي أقطنها، فلم أجد الشارع، فعلا لم أجد الشارع، فقد ابتلعته الأرض وانهارت معه كل مظاهر العمران وأناقة التصميم، حين تعرضت سلطنة عمان إلى أقوى إعصار مداري، لم تشهده المنطقة منذ 60 عاما، وخضعت مسقط العاصمة، خصوصا منطقة القرم الراقية، لأسوأ الكوارث الطبيعية خلفت وراءها أضرارا جسيمة بمناطق واسعة، حيث أغرقت مجمعات تجارية وسكنية بالكامل، ودمرت غالبية الطرق، ومعظم البنى التحتية والفوقية بفعل إعصار جونو المدمر.
تواردت على الذاكرة كل تلك المشاهد المؤلمة عندما اقتربت الساعة السابعة مساء؛ موعد تطبيق الإغلاق التام بين المحافظات، ومنع الحركة، وغلق المحلات وجميع الأنشطة التجارية في السلطنة، ولما تجاوزت عقارب الساعة الدقائق بعد السابعة، اختفى المارة كافة وصمتت أصوات السيارات وكأن الأرض انشقت وبلعت البشر، إلا من سيارات الشرطة وقوات السلطان المسلحة.
شيء رهيب لم يعتد عليه السكان، لأول مرة في تاريخ السلطنة، المحلات جميعها مغلقة، المارة جلهم أسرى منازلهم، ظلام دامس إلا من إضاءات أعمدة الشوارع وبعض المباني، توقفت كل الشوارع عن التنفس، وانسحبت مظاهر الحياة من جنبات الطرق، وانسكب في ليل مسقط الجميلة الصمت الحزين والسكوت المؤلم، مع الفارق أن كل الجمال في محله، وكل الأناقة والنظافة في موضعها، عكس إعصار جونو حيث هاجمت الطبيعة وبشراسة كافة البنى التحتية، كان مقصدها العمران والحضارة، وتمكنت من بعض البشر، واليوم بعد أن اكتمل العمران وارتفعت رايات التشييد، ثم تأتي الطبيعة مرة أخرى بفيروس خطير وجائحة مؤلمة، تستهدف الإنسان وحده، وتتجه إلى البشر بعينهم، تصيبهم وتحصد منهم ما تشاء.
في هذه المرة تعرضت السلطنة ـ كما باقي دول الكرة الأرضية ـ لفيروس صحي مدمر، ينتشر كالنار في الهشيم، لا يردعه إلا الاحتراز، ولا يشكمه سوى التباعد الاجتماعي، لم تتوانَ الدولة عن إخضاع أجهزتها كافة للحد بل والسيطرة على سرعة الانتشار، وراهنت بعد ذلك على الوعي المجتمعي، لكن كان لاستهتار البعض، وإصرار البعض الآخر على التواصل والتقارب أثرهما، وهنا ارتفعت الإصابات بشكل مزعج ومخيف، ومؤرق في ذلك لصناع القرار في الدولة.
كم عانت قوات الشرطة في تطبيق قرارات التباعد، وكم تعالت أصوات وسائل الإعلام تناشد بالحذر والتحوط، وتطبيق تعليمات الجهات الصحية، لكن أضاع جهودهم كل مستهتر وكل متخاذل، فما كان إلا القرار الصعب، وهو الإغلاق التام وتقييد الحركة من السابعة مساء حتى السادسة صباحا، خصوصا مع قدوم عيد الأضحى المبارك وما يلزمه من هبطات وطقوس وعادات تكسر تعليمات التباعد الاجتماعي.
في أيام جونو اشتغلت كل الأجهزة المختصة، وعبأت كل إمكاناتها من أجل حماية كل السكان، وتقليل الأضرار إلى الحد الأدنى، ليتبعها سيمفونية جهد وعمل خارق، لإعادة ما خلفه الإعصار من دمار وخراب، تغيرت البنية التحتية بالكامل، وتم إعادة شق الطرق وتشييد الجسور من جديد، في همة تبعث الثقة في النفوس، وإصرار يسجل لأهل هذه الأرض الطيبة، أنهم قادرون على كسر كل تحدٍّ، ومواجهة كل صعاب، رغم ضراوة الخسائر وتفاقم التعويضات، لكن أكدت السلطنة للجميع أنها قادرة.
رغم الحسرة على شوارعك الخالية، ورغم تجمد الحياة حتى مطلع الصباح إلا من حراس أمنك، ورغم القلق المتناثر على أبواب منازلك، ورغم شراسة الجائحة وجبروت هذا الفيروس، فإن السلطنة ـ وكما فعلتها من قبل ـ قادرة على التحدي وإن استكبر، ومستعدة للمواجهة وإن استعظمت، فقد استوعب قاطنوها الدرس واستشرى الوعي بين مواطنيها، وفعلا وصلت الرسالة بالامتثال التام والتجاوب المتحضر من الجميع، لتكون البشرى قادمة بقرب السيطرة وتقليل الإصابات، خصوصا مع وصول معدل الإصابات إلى المستوى السطحي، بعدها يأخذ في الانخفاض بإذن الله.
حتما ستعود ضحكتك يا عمان، وستكتظ شوارعك يا مسقط، ولسوف تتنفس مقاهيك ومطاعمك الأنيقة نسيم التعافي، وتتراقص شواطئك من جديد، وتمتد سهرات ليلك حتى الصباح، ولك التجربة من قبل حينما أراد جونو أن يكسرك فكسرتِه، وأرادت الصعاب أن تقهرك فقهرتِها، سيذكر التاريخ يوما تغلبك على الجائحة، وحتما ستعود الحياة وإن تضررت، وحتما ستهل مواكب البشرى رغم بعض التعثر، نعم هذه المرة السلطنة أيضا قادرة.

إلى الأعلى