الثلاثاء 4 أغسطس 2020 م - ١٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / العيد في حضرة الكورونا

العيد في حضرة الكورونا

سعود بن علي الحارثي

“لم تبق ثمة إذ ذاك أقدار فردية، وإنما تاريخ جماعي، ومشاعر يتقاسمها الجميع. وكان أكبر هذه المشاعر الافتراق والنفي، مع ما يحتمل ذلك من خوف وتمرد. من أجل هذا يعتقد الراوي أنه يحسن به، في تلك الذروة من الحر والوباء، أن يصف الوضع العام، وعلى سبيل المثال، فورات مواطنينا الأحياء العنيفة، ودفن الموتى، وألم العشاق الذين فُرّق بينهم”. من رواية “الطاعون” للروائي الفرنسي “البير كامو”
كورونا يفرد عضلاته ويفرض سطوته ويبرهن على شراسته، مؤكدا أنه جاء فعلا ليستوطن الأرض، وينافس الإنسان الحياة ويكابده ويناكفه وينغص عليه عيشه، يعيد جدولة برامجنا اليومية، ويأبى إلا أن يكسر إرادتنا بحرماننا أجمل وأبهج وأنقى وأعز ما نملكه وما نجد في تفاصيل ممارسته الدقيقة إنسانيتنا، إطالة أمد الفراق بيننا وبين أحبائنا أياما وأسابيع وأشهرا، والمباعدة بين أجساد لطالما سكنت وهدأت واطمأنت وارتوت في صدور الأمهات والآباء والأبناء، فحرمها كورونا ذلك، فكم اشتاقت لتتبادل الضم والاحتضان والانعتاق وتتشابك لتلتئم الجراح؟ كورونا يشاكس ويعاند، يصرع الرجال والنساء، يتمدد عشرات الآلاف في أسرَّة المستشفيات حول العالم، بين غرف الفحص والتنويم وحجر العناية المركزة والفائقة، وأضعافهم في العزل الاختياري في منازلهم، أجهزة التنفس تستغيث وسيارات الإسعاف ونقل الموتى لا تهدأ ولا تتوقف، الأطقم الطبية منهكة وعلى وشك التداعي، الجنازات والتوابيت تتابع من المستشفيات إلى المقابر، ما يزيد عن الـ”سبعة عشر” مليون مصاب، وما يلامس الـ”سبعمائة” ألف وفاة، والقائمة ترتفع، والتحذيرات بموجة ثانية وفيروس آخر أشد فتكا وعدائية تحتد وتتعمق، ومنظمة الصحة العالمية لا تبرع إلا في إطلاق التحذيرات والترويع. نحن نريد ونتطلع ونتأمل ونحلم أن يأتينا الغد وقد غربت شمس الكورونا وأفل نجمه إلى الأبد لكي تزدهر شمس البشرية من جديد ويعود إلى الحياة جمالها وبهجتها ورونقها ونشاطها، وللإنسان برنامجه المعتاد وجدوله المعهود وهواياته الجميلة، وكورونا ومنظمة الصحة العالمية وخبراء الأوبئة وأطباؤه يقولون غير ذلك، مضيفين إلى الناس المزيد من الهم والغم والضغوطات والأمراض النفسية، رمضان وعيده انقضيا ونحن في الحجر المنزلي، لم تطأ أقدامنا مسجدا تسبح في محرابه الأرواح العطشى إلى المناجاة، ولا مجلسا تضيئه مصابيح الأفراح واللقاءات وأحاديث السمر، لم نزر رحما أنهكنا الشوق للقياهم، ولم نحتفِ بهما ـ أي رمضان وعيده ـ كما يجب وكما اعتدنا، وقلنا قرينه “عيد الحج الأكبر” لا يفصلنا عنه إلا شهران كافيان لإنهاء معركة البشرية مع هذا الكورونا، وفي ظهر كل يوم ينقضي، تأتي بيانات وزارة الصحة صادمة معكرة للمزاج تتحدث بلسان فصيح قائلة أيها الموهومون: كورونا باقٍ وما زالت المعركة محتدمة وجيوش فيروساته تحتشد، تضرب وتفتك وتودي بالمزيد من الأجساد البشرية، وتعيث في الأرض خرابا باقتصاد العالم، وتسلب الأفواه لقمة العيش، ويطل علينا معالي الدكتور وزير الصحة كل خميس في مؤتمره الإعلامي الافتراضي بوجه حزين متألم أسيف على ارتفاع عدد الضحايا والإصابات ومعاناة مؤسساتنا الصحية وأطقمها الطبية والفنية والإدارية، منزعجا غاضبا من أولئك المستهترين الذين يتسببون في نشر الجائحة، وبلغة إنسانية راقية يوجه نصحه وبرجاء المحب المكلوم من الواقع يكرر مطالباته، ويناشد المجتمع بحماية نفسه من وباء لا يعرف الرحمة حاشدا حديثه بالقصص والمواقف والصور والمشاهد الإنسانية المؤثرة التي يدمى لها القلب، الطبيب الذي اصطاده الفيروس من جسد مرضاه، وظل لسبعة عشر يوما يتمنى الموت، من شدة الآلام وضيق التنفس والشعور بزجاج يتكسر في قفصه الصدري تمزق شظاياه الأمعاء، المصاب الذي نشر العدوى لـ٣٠ فردا من أصحابه، المريض بالكورونا الذي تسبب بنقله إلى والدته وأسرته فشفي هو، فيما يعاني من انتقل إليهم الأمرَّين في العناية الفائقة… رحلة مليئة بالمآسي والألم والمعاناة والوجع، هذا هو العيد الذي يفترض أن نحتفي ونحتفل ونبتهج ونسعد به هذه الايام. نلتقي اليوم بعيد الأضحى المبارك فلا حج ولا وداع ولا استقبال ولا تهاني وأمنيات نزفها مع مغادرة وعودة حجاج بيت الله الحرام، ولا خطبة عيد ولا صلاة في مصر القرية ولا زيارات أرحام ولا أضاحي وأهازيج، إنه زمن الجوائح والأوبئة والكوارث، جاء عيد الحج الأكبر وما زلنا نستعيد بيت المتنبي كأننا ما تحركنا قيد أنملة والزمن ثابت متوقف “بأية حال عدت يا عيد”، فمتى سيزول ويرحل هذا الكورونا الذي أفسد علينا مناسباتنا وحياتنا الاجتماعية والعملية، وأنهكنا وشوه كل جميل كنا نعيشه؟ اللجنة العليا عولت على المجتمع، والمجتمع منقسم بين ملتزم وآخر غير آبه، الأول حذر قلق خائف، والثاني لا يرى في كورونا مشكلة خطيرة، عقب كل بيان يصدر، تطرح التساؤلات ويتم تبادل الاتهامات وطرح الأفكار والرؤى والملاحظات. أحلام وآمال ورغبات لهفى، تنمو وتتعمق، وسنوات تأخذ من العمر أجمله وأشده وأصلبه، أهداف وغايات وتطلعات مؤجلة إلى أن تحين الفرصة، وتتهيأ الظروف، وتفتح الأبواب المؤصدة، أرواح وأبصار وقلوب وعقول متشوقة عطشى متعلقة مرتبطة حياتها وبهجتها وراحتها وطمأنينتها وعلاج أمراضها المزمنة باللحظة التي تحتضن فيها بيت الله الحرام ومثوى رسوله الأعظم والسير إلى الرحاب المقدسة والعتبات المباركة، سنة إثر سنة وعاما بعد عام والعمر المحدد بزمن لا يزيد ولا ينقص يفقد مددا من حياته، في عام منصرم لم تكتمل المبالغ بعد، وفي العام الذي يليه كانت الوثائق ناقصة والموافقة تأخرت، وفي عام آخر لم يقبل الطلب بسبب الإجراءات التنظيمية التي أقرتها السعودية بشأن الحج، وفي هذا العام حيث اكتملت المبالغ وتهيأت الظروف الخاصة، وباتت الوثائق جاهزة، وتمت الموافقات على طلب الحج، حل هذا الكورونا من حيث لم نحتسب كارثة على العالم فأطاح بآمالنا ومزق أحلامنا وأسقط برامجنا في أداء مناسك الحج وعكر أمزجتنا فكيف لنا أن نحتفي ونحتفل بعيده؟ كان ذلك هو ملخص مقابلات نساء ورجال من مختلف الأعمار ـ نسف كورونا حلمهم وحطم مشروعهم ـ في إذاعة الـ”بي بي سي”، تتساقط الكلمات مع سيل من الدموع فتخنق العبرات الأصوات. في البيان رقم “137″ الصادر بتاريخ 13/7/2020م، بلغ عدد الحالات المسجلة في السلطنة “2164″ حالة، منهم “1572″ لعمانيين، وهي الإحصائية الأعلى منذ بدء الجائحة، وفي يوم الأحد 26 يوليو، حصد كورونا “13″ وفاة، هي الأعلى كذلك في يوم واحد، فلم يكن من خيار أمام اللجنة العليا إلا اتخاذ قرارات صارمة بـ”الإغلاق التام بين محافظات السلطنة ابتداء من يوم السبت الموافق 25/7 وحتى 8/8، ومنع الحركة وإغلاق جميع الأماكن العامة والمحلات التجارية خلال المدة المذكورة من الساعة 7 مساء وحتى الساعة 6 صباحا…”، نستطيع جميعا أن نصنع إنجازا وطنيا رائعا، وأن نسهم في إنجاح هذه الجهود، وأن نأخذ هذا الكورونا إلى خانة المنحنى “صفر” فكل فرد في المجتمع قادر على حماية نفسه وأسرته. حل عيد الحج الأكبر وسوف نحتفي به ونبتهج بأيامه، سنتغلب على كل الآلام والأوجاع والمخاوف، مؤشرات الأمل والرجاء والإيجابيات وحالات الشفاء المطمئنة سوف ترتفع بمشيئة الله، لن تتوقف هواتفنا عن نقل واستقبال التهاني والتبريكات والأمنيات الجميلة التي نتبادلها مع الأرحام والأصدقاء والأقارب والمعارف والجيران، سوف نطلق حرارة الشوق والحميمية والوداد والوفاء ومعها باقات ورد وعبارات تعمق المشاعر الإيجابية، سوف نتحلى بالصلابة والقوة والإرادة، سنبقى نعمر الأرض ونواجه الكوارث والأوبئة والجوائح ونحن متحدون متضامنون موحدون، وتأتي الأعياد والمناسبات لتلهمنا الصبر والفرح والحكمة والمزيد من القوة. عيد سعيد وكل عام والبشرية في خير.

إلى الأعلى