الخميس 24 سبتمبر 2020 م - ٦ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: في يوم عرفة تتنزل البركات

رأي الوطن: في يوم عرفة تتنزل البركات

تتميز الشريعة الإسلامية بفرائضها وأحكامها عن غيرها من الشرائع السماوية بسمات عديدة، وفي ذلك حِكَمٌ علمها عند مشرِّعها سبحانه وتعالى، ومن بين هذه السمات الارتباط الزمني بالفرائض وطريقة أدائها، كالصلوات التي تؤدى بأقوال وأفعال مخصوصة في زمن مخصوص وهو خمس مرات في اليوم، وفريضة الصوم تؤدى في شهر رمضان بالامتناع عن الأكل والشرب من طلوع الفجر حتى حضور الليل، والكف عن سائر المفطرات، وكذلك فريضة الزكاة تؤدى بعد حول كامل في ما تجب فيه من أموال ومنقولات وزروع وغيرها، وبمقادير مخصوصة ومضبوطة ومحددة، وفريضة الحج تقام في أشهر محددة وبأقوال وأفعال مخصوصة وفي مكان محدد.
وفي هذا الوقت من العام الهجري يحل موسم الحج، غير أنه يأتي هذا العام على غير العادة التي اعتاد المسلمون عليها، حيث الجموع التي أتت من كل فج عميق ليذكروا ويكبروا الله وليشهدوا منافع لهم، فجائحة كورونا المستجد “كوفيد 19″ أسدلت سدولها وحواجزها، وحالت بين الناس وتحقيق مصالحهم وأداء فرائضهم وواجباتهم كما يجب وشرع لهم، وحالت بين الدول وتحقيق مصالحها ومنافعها الاقتصادية والتجارية والسياحية والسياسية وغير ذلك. ولا ريب في ذلك ابتلاء وامتحان للناس والإنسانية لتتفكر ولترعوي، ولتعيد إدارة البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، والرجوع إلى الخالق سبحانه ومدبر الكون ومسيِّره والمتحكم بكل شيء فيه.
أن يأتي الحج هذا العام مثل غيره من الفرائض على غير ما دأب المسلمون عليه، فيه نظر، بل يجب أن يكون فيه نظر وارعواء وانتباه ومراجعة، فالأمر ليس سهلًا أن يحال بين الفريضة ومكان أدائها كما هو حال فريضتي الصلاة والحج، ذلك أن الحِكَم التي رتبها الشارع الحكيم لا تتحقق إلا بالأداء في المكان المخصص وباجتماع المسلمين.
إن الحج وركنه الأعظم عرفة مدرسة تربوية يتعلم فيها كل عام كل مسلم وفَّقه الله لأداء هذه الشعيرة، يتلقى فيها دروسًا هي من الأهمية بمكان في حياته، يكفي الدليل عليها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من حج، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه”، وقوله عليه الصلاة والسلام: “العمرة إلى العمرة كفارة ما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”. وتتمثل هذه الدروس في الطاعة البدنية لجهة ما يتحمله من مشاق تستدعي القوة البدنية عند أداء كل منسك من مناسك الحج، والإنفاق المالي لجهة سداد ما عليه من ديون، والإنفاق على تكاليف السفر والحج، والإبقاء على القدر الذي يحتاجه أهل بيته وهكذا، والتنظيم والإدارة في الوقت والمال وكيفية أداء المناسك، وفوق هذه الدروس تأتي الآثار العظيمة والبركات التي يجنيها الحاج وتتنزل عليه من توفيق الله له لأداء الفريضة.
يقف غدًا الخميس حجاج بيت الله الحرام على جبل عرفة مؤدين الركن الأعظم، غير أن المشهد لن يكون كما كان، حيث تلك الجموع المليونية التي تتنافس على اقتناص الموسم وكسب منافعه وجوائزه الإلهية، حيث تلك الأصوات الهادرة بالتهليل والتكبير، حيث تلك الجموع التي تتدافع جيئة وذهابًا لرمي الجمرات، إنها مشاهد لها أثرها في القلب والنفس، وإنه ليحز في نفس كل مؤمن بالله أن يمضي عليه هذا الموسم ولا يعيش تلك المشاهد، وتلك اللحظات الإيمانية والربانية، ولكن لا نقول إلا قدَّر الله وما شاء فعل، والثقة بالله كبيرة في أن يرفع عنا هذا الوباء وهذا البلاء، ويجنبنا الفتن والمحن، وما علينا جميعًا سوى الرجوع إليه، خاضعين له بالدعاء والرجاء والخشوع والرغبة فيما عنده من نعم وخيرات، فهو الخالق والحافظ والمدبر والمتحكم، وهو على كل شيء قدير. كما يجب علينا جميعًا (مواطنين ومقيمين) أن نتكاتف وتتضافر جهودنا نحو مساعدة وطننا والالتزام بالقرارات والإجراءات الاحترازية والتعليمات والإرشادات الصحية اللازمة لنتجاوز معًا شر جائحة “كوفيد 19″.
وفي الختام لا يسعنا إلا أن ننتهز هذه المناسبة الجليلة لنرفع إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وإلى كافة المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطيبة أسمى آيات التهاني والتبريكات بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، أعاده الله على الجميع بكل خير وبركة.

إلى الأعلى