الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م - ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / حكومة مشلولة

حكومة مشلولة

علي بدوان

حكومة (نتنياهو ــ جانتس) “الإسرائيلية”، الائتلافية، بمثابة حكومة تسيير أعمال، لا أكثر ولا أقل، بل من الممكن أن نُطلق عليها مُسمى الحكومة المشلولة. فكل المعطيات على الأرض تشي بأنها حكومة عاجزة عن الإقلاع في مسار عملها المُفترض كحكومة ائتلافية، أو بالأحرى كــ(حكومة وحدة وطنية) وفق قرار قيامها. وقد تكون الأسباب وراء ذلك مُتعددة، ولها علاقة بأكثر من عامل من العوامل التي فرضت نفسها خلال الفترة التي أعقبت الانتخابات التشريعية المُعادة للمرة الثالثة في “إسرائيل”. والتي يُمكن بلورتها بالتالي:
أولا: التباينات بشأن مسألة “ضم” مناطق من الضفة الغربية، تصل مساحتها لنحو 30% من مساحة الضفة الغربية مع القدس الشرقية المحتلة. فضلا عن منطقة الأغوار. فقائمة (أزرق ـ أبيض) الشريك بالائتلاف الحكومي، وإن وافقت مبدئيا على مسألة “الضم”، إلا أنها ترى بأن عملية “الضم” ستجلب مشاكل كبيرة لــ”إسرائيل” مع العديد من البلدان العربية المعنية، وخصوصا الأردن، فضلا عن تأليب المجتمع الدولي، وعلى رأسه دول الاتحاد الأوروبي على “إسرائيل”. وقد كررت المجموعة الأوروبية رفضها القاطع لعملية “الضم”، بل وأعلنت بأن عقوبات سوف يتم اتخاذها بحق “إسرائيل” حال إقرار عملية “الضم”. هذا عدا عن مواقف الكتل الدولية المؤثرة كالصين الشعبية وروسيا وغيرهما.
ثانيا: رفض الولايات المتحدة الأميركية، وتحفظها على مسألة “الضم”، في هذه الفترة بالذات، التي تشهد التحضيرات للمعركة الانتخابية الرئاسية “الحامية الوطيس” بين الجمهوريين والديمقراطيين، بين المرشحين الرئاسيين: المرشح دونالد ترامب، والمرشح جو بايدن، والمتوقع إجراؤها في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 القادم. فالمرشح جو بايدن يُعلن على الملأ رفضه لعملية “الضم”، التي تنوي تنفيذها حكومة بنيامين نتنياهو لمناطق من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967.
ثالثا: سعي نتنياهو لــ(كسب) الوقت لتمرير مسألة إحالته للقضاء مع زوجته بتهم الفساد والرشاوي، وتلقي الهدايا المحسوبة. فنتنياهو يسعى لمواجهة محاكمته في ظل وجود حكومة هزيلة وضعيفة الأركان، بينما يقودها مُتفردا بها، بل ومُهددا بالعودة لصناديق الاقتراع نحو انتخابات تشريعية مُعادة للمرة الرابعة، وبما يضمن إخراج معارضيه، أو مشاكسيه من الحكومة، وعلى رأسهم الشريك الآخر بقيادة الجنرال بيني جانتس زعيم ما تبقى من قائمة (أزرق ـ أبيض). ويستند نتنياهو في ذلك لمعطيات نتائج الاستطلاعات الأخيرة التي تواترت في “إسرائيل”، والتي رجّحت كفته في مواجهة خصومه السياسيين، وبما يُمكنه من تشكيل حكومة لاحقة بالتحالف مع قوى اليمين واليمين المتطرف، التي تضع أساسا “بيضها” في سلة نتنياهو بكل الحالات والتحالفات. مع أن قطاعات متزايدة من “الإسرائيليين” عبّرت مؤخرا عن استيائها من تعامل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مع “الموجة الثانية” من جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التي ترافقها، وجاءت مظاهرات تل أبيب المناوئة له لتشير إلى ذلك. ومع هذا، لا يزال نتنياهو يتصدّر قائمة المتربعين في الموقع الأول المحظوظ.
رابعا: انتشار جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19)، وهي الجائحة التي فرضت على الحكومة “الإسرائيلية” نوعا من (الهمود) بين أقطابها، والتهدئة بين قطبيها الرئيسيين: حزب الليكود ومجموعة (أزرق ـ أبيض). فــ”إسرائيل” تقع تحت الانتشار المتزايد لهذا الوباء، وهناك تصاعد عمودي في الانتشار، بعد أن كان في مراحله الأولى أفقيا فقط. والمعلومات المنشورة تؤكد أن الانتشار اليومي لتلك الجائحة، يتركز في مناطق وبؤر بعينها في “إسرائيل”، وتحديدا ضمن كتل المستعمرات وأحياء اليهود المتدينين (الحريديين) في القدس كبلدة (بني براك).
خامسا: الأزمات المالية المترتبة على تعطيل العمل، وإغلاق المرافق العامة، وتراجع الدورة الاقتصادية، وبحدود معينة، وإغلاق بعض المنشآت، خشية من مفاعيل فيروس كورونا، وقد أدى هذا الأمر إلى نشوء أزمة مالية متزايدة، ولجوء الحكومة لتعويض الناس ماليا، ولكن تلك التعويضات بقيت بحدود معينة، لكنها تزداد اليوم عن اليوم الذي سبقه، لتُشكّل عبئا ثقيلا على “الحكومة الإسرائيلية”، وهو ما افترض حالة “التهدئة” بين أطراف الحكومة، التي باتت عاجزة عن المبادرة بل وفي حالة قريبة من حالة الشلل.
وبالاستخلاصات الأخيرة، إن حكومة (نتنياهو ــ جانتس) الائتلافية في “إسرائيل” ستبقى مشلولة، ما دامت عوامل الشلل قائمة، وما دامت قوى اليمين واليمين تكتسح الشارع “الإسرائيلي”. وفي ظل مجموعة الأزمات المستجدة التي طرأت على الوضع الداخلي “الإسرائيلي”. أما تهديدات نتنياهو بالعودة للانتخابات للمرة الرابعة فمسألة غير مُمكنة، الآن على الأقل، في ظل انتشار جائحة كورونا.

إلى الأعلى