الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م - ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / التجنيد بالتوظيف

التجنيد بالتوظيف

أيمن حسين

حذرت في مقالي السابق “الفئة الثالثة” من خطورة وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الأفكار المتطرفة واستخدام وتوجيه روادها نحو بوصلات محددة لضرب الاستقرار الأمني، وما يمكن أن تؤول له عمليات تجنيد واستقطاب الشباب عبر المنصات الرقمية، وأهمية تفعيل الأمن السيبراني، وتمدد شبكات الحماية من المؤسسات الأفراد والمجتمعات، ومن النطاقات المحلية إلى النطاقات الإقليمية والدولية.
وهذا الأسبوع نشرت هيئة الإذاعة البريطانية تقريرا لها عن جاسوس سنغافوري شاب ألقت الولايات المتحدة القبض عليه وهو يقوم بأعمال التخابر لصالح شبكة الصين العالمية للتجسس، والغريب أنه طالب دكتوراه في العلوم السياسية، تتناول رسالته العلمية أقرب السبل التي تسلكها القوة العظمى الصاعدة من أجل كسب المزيد من النفوذ، وتم استقطابه وتجنيده عندما تلقى دعوة لإلقاء كلمة أمام الأكاديميين الصينيين في بكين عام 2015، قبل أن يتقرب له عدة أشخاص ادعوا أنهم يعملون لصالح مراكز أبحاث صينية، وطالبوه بتوفير “تقارير سياسية ومعلومات” مقابل أجر، ووصفوا مطالبهم بأنها “النميمة” أو الشائعات والمعرفة عن قرب في دول جنوب شرق آسيا، وتحولت الخطوة التالية لاتجاهاتهم نحو حكومة واشنطن، لتظهر الوثائق الأميركية فيما بعد أنهم عملاء للاستخبارات الصينية.
الجاسوس السنغافوري كان مستخدما لشبكة التواصل الاجتماعي لينكد إن ( LinkedIn) والتي تلقى رواجا رقميا لقوتها في عرض الوظائف، وربما كان طالب الدكتوراه أحد الباحثين عن عمل، فيما أن الفريق الاستخباراتي الذي جنده كان أفراده نشطين عبر المنصة الرقمية، بل وكان التواصل بين دوائر خلية التجسس أسهل وأكثر سلاسة نظرًا للحرية والانسيابية التي تتمتع بها المنصات الرقمية.
زملاؤه في الدراسة وصفوه بأنه “نشيط وشديد الذكاء”، ورغم هذا لم يمنعه من الوقوع في فخاخ التجسس، كما أنه اعترف أمام المحكمة الأميركية بأنه “طلب منه بشكل مُحدد الحصول على معلومات تخص وزارة التجارة الأميركية، والذكاء الاصطناعي والحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة” ـ بحسب البي بي سي.
عنصر السذاجة ينتفي عن طالب العلوم السياسية السنغافورية، فلا يمكن أن يكون خاض رحلة التجسس عن جهالة؛ لكن الواقعة تدق ناقوس الخطر فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي وانتهاكها لأسرار وحرمات الدول، فشبكة لينكد إن ( LinkedIn) التي استخدمها الجاسوس ورفاقه تصنف بأنها من المواقع المهنية المتعلقة بالتوظيف والموارد البشرية في المقام الأول، فضلا عن أن أكثر من 700 مليون شخص حول العالم يستخدمونها ولهم حسابات عليها.
دعما للمحاذير، فإن الاستخبارات الألمانية قالت إن عملاء صينيين استخدموا شبكة لينكد إن في 2017 لاستهداف 10 آلاف مواطن ألماني على الأقل، فيما عاقبت الولايات المتحدة ضابطا سابقا بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالسجن 20 عاما في مايو الماضي، لكشفه عن معلومات عسكرية لعميل صيني جنده عبر لينكد إن، وكان من بين الأفراد الذين تواصل معهم، شخص يعمل في برنامج مقاتلات F-35 التابع لسلاح الجو الأميركي، أقر بأنه يواجه صعوبات مالية، وتم تكليف ضابط سابق بالجيش الأميركي بمهمة في البنتاجون، وتقاضي 2000 دولار على الأقل لإعداد تقرير عن تأثير الانسحاب الأميركي من أفغانستان على الصين ـ كما قالت البي بي سي، كما أن الجاسوس السنغافوري قال في التحقيقات إنه قدم إعلانا زائفا عن فرص وظيفية لشركته الاستشارية، وتلقى أكثر من 400 سيرة ذاتية 90% منها موظفين بالحكومة والجيش في الولايات المتحدة يملكون تصاريح أمنية”.
تحذيراتي من وسائل التواصل الاجتماعي لن تتوقف، لأني متيقن من خطورتها، والوقائع التي أتابعها في وسائل الإعلام تبرهن صحة اعتقاداتي، فعلى سبيل المثال نجد عملاء شبكة لينكد إن ( LinkedIn) يضعون سيراتهم الذاتية موثقا بها خبراتهم والأماكن التي عملوا بها في حساباتهم، ما يسهل للعين الاستخباراتية الملكفة بالاستقطاب والتجنيد اختيار فرائسها بسهولة ودون عناء، وما يرفع درجة خطورتها أن منهم مسؤولين حكوميين سابقين وموظفين عسكريين وضباط جيش سابقين يبحثون عن وظائف مربحة ومريحة، أضف إلى هذا أن شعرة تفصل بين حرية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وبين عمليات الاستقطاب والتجنيد؛ وهو ما يتعاظم معه أهمية تفعيل الأمن السيبراني، وفي نفس الوقت عدم اختراق الخصوصيات، وعمل مسح شامل للمستخدمين في النطاقات المحلية لتحديد الشخصيات المستهدفة وتوعيتها مسبقا، وتكثيف الحملات الإعلامية والتسويقية للتوعية بمخاطر الاستقطاب المخابراتي.

إلى الأعلى