الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م - ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / بيدنا لا بإرادة الكورونا

بيدنا لا بإرادة الكورونا

سعود بن علي الحارثي

هذه الأعراض الإنفلونزية البسيطة التي أشعر بها، كانسداد الأنف والتهاب الحلق والعطس على فترات، هل لها علاقة بكورونا، أم أنها مما اعتدنا عليه وأدمنته أجسادنا مرات في السنة، أثناء اختلاف المواسم وتغير الفصول، وانتشار هذه الفيروسات الإنفلونزية؟ وكيف لي أن أحدد وأطمئن وأتأكد من ذلك ووزارة الصحة أوقفت الفحوصات واستقبال الحالات البسيطة والمتوسطة؟ ولكن ألم يقل معالي الدكتور وزير الصحة بأن مجرد الإحساس بهذا النوع من الأعراض تفرض على من يصاب بها عزل نفسه مباشرة واضعا في حسبانه أنه تعرض للكورونا؟ فهل أعزل نفسي عن بقية أسرتي لمدة أسبوعين كاملين أتجرع فيهما مرارة العزل والحبس والانقطاع عن الصحب والحياة؟ ولكن لماذا أسجن نفسي، وأعزلها عن العالم وأحرمها من مباهج الدنيا وسعادة اللقاءات الأسرية وتناول الوجبات اليومية معهم في سرور وهناء، وأجشمهم مشقة إحضار الطعام الخاص وطلبات القهوة والماء واحتياجاتي الشخصية، وقد أتعرض للاكتئاب والأمراض النفسية بسبب هذه العزل الاختياري؟ فما أشعر به ليس إلا زكاما عاديا جدا، بل أستطيع وصفه بأنه من الأنواع الضعيفة التي لا تستحق حتى أن أكترث بها؟ ولكن لماذا أستبعد فرضية أن الأعراض سوف تشتد، وقد تزيد عليها أخرى خلال الأيام أو الساعات القادمة؟ ولماذا أطرد فكرة أن تكون أعراضا كورونية حقيقية، وقد أتسبب في نقله إلى أفراد أسرتي، أحب الناس إلي وأعزهم وأقربهم إلى نفسي؟ وكيف سيكون حالي وحياتي لو حدث ذلك فأدى إلى وفاة أحدهم، ألن أصبح أشقى الناس وأشدهم ندما وعذابا؟ ما هذه الوساوس والشكوك والحيرة التي نعيشها بسبب هذا الفيروس الذي حول حياتنا إلى جحيم؟ أو لم أستمع إلى عشرات التصريحات والأخبار التي تقول بأن ما هو مجهول من خصائص وطبيعة هذا الوباء أكثر بكثير عما هو معلوم ومعروف، وبأنه فيروس ماكر خبيث، متقلب ومتجدد، وقد يعصف بالبشرية في موجات قادمة متوقعة، هي الأشد فتكا وانتشارا؟ فلماذا نتجاهل تعليمات المسؤولين والمختصين والأطباء ومسؤولي منظمة الصحة العالمية، ونتغافل عن قرارات اللجنة الرئيسة التي راهنت على وعي المجتمع وخاطبت بكل رقي مشاعره الإنسانية وحسه الوطني؟ لماذا نعرض أحبابنا ووطننا واقتصادنا ومؤسساتنا الصحية وكادرها الطبي… إلى مخاطر جسيمة ومضار هائلة لمجرد التهرب من تضحيات بسيطة تتمثل في التزامنا بالحجر الصحي المنزلي، ولبس الكمامة في الأماكن العامة والتباعد الجسدي والامتناع عن الزيارات العائلية والاختلاط الأسري… أليس في ذلك حماية لنا ولأسرنا؟ هل علي أن أستعيد برامج زياراتي ولقاءاتي والأماكن والمواقع التي مررت عليها والناس الذين اختلطت بهم لكي أقيم وضعي وأكتشف كيف؟ ومن أين؟ تسرب هذا الفيروس الشرير إلى جسدي إذا كانت هذه حقا أعراضه؟ ولكن هل يحتاج الأمر إلى كل هذا الجدل الداخلي والعناد، والأخذ والرد، والجهد في طرح أسئلة والبحث عن إجابات اجتهادية عنها… فيما اللقاءات والمؤتمرات والتصريحات الإعلامية والبرامج التوعوية وضحت وفصلت بدقة وأجابت على كل الأسئلة المتداولة والموجهة، وأزالت اللبس والغموض؟ ما هي أسباب هذه السلوكيات المستهترة والنصوص الناقدة الأقرب إلى التجريح والإساءة في طريقة التعامل مع الجائحة؟ لماذا ننتقص من قوة الفيروس وافتراسه اليومي لآلاف الضحايا على مستوى العالم، وفي بلادنا الحبيبة يسلب منا أرواحا غالية وأحبابا رحلوا عن دنيانا وتركوا الغصة والحزن في قلوب أقربائهم وأصدقائهم، والآلاف عانو من آلام مبرحة وأوجاع هائلة بسبب هذا الكورونا؟ ألا يشعر هؤلاء الساخرون المستهترون العابثون بمعاناة الآخرين؟ ألا يدركون ولا يعون بأن الميت بالكورونا لا يستطيع أهله حتى أن يغسلوه أو يشاركوا في تكفينه ودفنه إلا من مسافة بعيدة، وليس بإمكانهم مشاركته أوجاعه وهو في سريره بالعناية المركزة؟ لماذا نسخر جهودنا وإمكاناتنا ووقتنا في محاولة إثبات أن كورونا مؤامرة أميركية أو صينية، أو من قبل منظمة دينية أو مافيا أدوية… وبأنه غير حقيقي، ومن يموت بغيره أضعاف من يموت به… إلى آخر القائمة، بدلا من أن نوجه المبادرات والجهود إلى تعزيز التوعية والمساهمة بخطوات عملية إنسانية وطنية لحماية الناس من هذا الوباء، وترسيخ ثقافة الالتزام بقرارات اللجنة العليا، والكشف عن أضرار تزايد الإصابات على بلادنا اقتصاديا وصحيا واجتماعيا؟ يفترض مع نشر هذا المقال في صباح اليوم الأحد، التاسع من أغسطس “تقليص ساعات منع الحركة ليلا في كل محافظات السلطنة لتكون ما بين الساعة التاسعة ليلا حتى الخامسة صباحا”، ورفع الإغلاق التام بين محافظات السلطنة” والسماح بالحركة فيما بينها، وسوف يعود النشاط الاقتصادي إلى الأسواق والمجمعات التجارية، والعمل الكامل في مختلف القطاعات والمؤسسات الحكومية والخاصة، وسوف تتناقص أعداد الإصابات بشكل كبير في بيانات وزارة الصحة القادمة، بعد توقف الفحوصات للحالات البسيطة والمتوسطة، وسوف تبقى أعداد المضافين إلى أسرة المستشفيات والعناية المركزة والوفيات هي المؤشرات الحقيقية لتصاعد أو تراجع الإصابات، ما يعني بأن كورونا لم يختفِ بعد من البلاد، فتراجعه والإعلان عن وصولنا إلى الحالة “صفر” يعتمد في الأساس على التزامنا ووعينا وإدراكنا بشر هذا الوباء وأضراره الهائلة على البلاد والعباد، فالتعافي بيدنا، ووطنيتنا وحبنا لعمان وخوفنا على أحبابنا دوافع وأسباب تلزمنا ـ لا تحتمل حتى التفكير فيها ـ بل هي فرض علينا وقانون لا مناص من الانصياع له.

إلى الأعلى