الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / قال صديقي البروفسور: عمان .. الجنة الموعودة

قال صديقي البروفسور: عمان .. الجنة الموعودة

زهير ماجد

تنحى جانبا ثم جالسني، هو رفيق العمر من الفتوة وحتى هذه المرحلة، سألني عن عودتي من السلطنة، فأجبته بأنها منذ شهور قليلة، تأملني قليلا، كأنما تذكر شيئا ثم قال، وهل تترك الجنة الموعودة!.. نحن في أميركا نسمي السلطنة هكذا ..
كان الصبح يجلل قريته في جنوب لبنان والمناسبة وفاة أمه في أميركا وإصراره على ان يكون لحدها في قريته الجميلة. انه البروفسور ألبرت حرب الأميركي من أصل لبناني، الذي أخبرني ان الصيت المعروف عن سلطنة عمان بين الأميركيين انها الجنة الموعودة فعلا، مضيفا أننا قررنا السفر اليها مع مجموعة من الاصدقاء ومن يرغب من المطلعين عليها وعلى سحرها وعلى جمال جبالها التي لاتوجد في كل انحاء اميركا رغم اتساع مساحتها.
ظل رنين الفكرة يضج في رأسي، وأنا من الذين كتبوا عن السلطنة كجنة من الجنات، وكان حلمي دائما ان اسكن فيها زمنا او عمرا او كل العمر، فخير ما أشعر به تجاهها انها تتوافق مع خلايا فكري وعقلي ومع مبادئي ومع انسانيتي وفهمي للحياة .. انا تقريبا اكاتب صحيفة ” الوطن ” منذ ست عشرة سنة ونيف، كنت كلما كتبت مقالا أشعر بالرغبة في ان اكون ضيفا على السلطنة، وهل هنالك فرق في المشاعر بين الكتابة عن بعد او الالتصاق بالمكان الذي أحب.
لاشك ان الحياة خيار وأحيانا مجموعة خيارات يتوه المرء في انتقاء ماينسجم مع شخصه .. ولأن العالم صغير كما يعتبرونه مع انه متسع الارجاء وتحتاج لطائرة كي تتمكن من الوصول الى المبتغى، فإن خيار عمان يبدو كمن يريد ان يغتسل بماء الورد كي يبقى معطرا طوال عمره، او ان يعيد تنشيط خلاياه كي يظل شابا .. عمان من هذا القبيل، انها المساحة المؤنسنة التي تضيف على الحياة شبابا ومتعة نفس ونظافة عقل ومودات من كل صوب.
للذين لايعرفون عمان، فهي في المكان الخصيب من الجزيرة العربية، حيث تشرق الشمس اولا ، وحيث تتفتح الجبال عن مكنونات لاتراها إلا فيها .. ان تعيش في عمان يعني ان تلتزم بايقاع الهدوء، وان تفكر بالتجدد كل يوم، وان يرتاح بالك من كل مامضى، والأهم، ان تشعر بأنسنتك وهي تعانق روحك، فعمان حالة سماح يتسع صدرها للدنى، وهي على محبتها للآخر تعيش حلم البحر الدافيء والصدى.
حين نزلت بي الطائرة لأول مرة وكان اسمه مطار السيب، كنت كمن يريد مراقصة كل من سيواجهني من شدة فرحي، ان ابصر تلك المدينة وذلك الوطن المبتهج بنعماه، فيعني انني وصلت الى المبتغى وحصلت على ما اريد من كل حياتي، وما الحياة في رأيي سوى تلك النعم الصغيرة لأن لا كبير فيها سوى الاحساس بالذات كما يجب ان تشعر به.
سألت نفسي قبل ان أرى شخصا يرفع اسمي مكتوبا على ورقة، أود لو اطير كنسر لأحلق في الاعالي وارقب السلطنة شوقا اليها، النسور تشعر بأنها طير محب للاعالي يمكنه اكتشاف الامكنة على حقيقتها. لكن الصوت جاءني وحملني صاحبه الى الفندق، لكن كيف اسكن الغرفة، وكيف انام، وانا قرأت الكثير عن السلطنة وعرفت فعلا انها الجنة الموعودة كما كان تعريف البروفسور لها .. فتحت شباك الغرفة رغم الحرارة وبدأت اتنشق عبقا انتظره منذ سنين.
سيفرح صديقي البروفسور الاميركي ألبرت وشلته حين يواجهون وطنا اجمل مافيه جماله، وأغلى مافيه غلاوته .. سيجدون بلدا ولد من صفر حياة لكنه تجاوز ماتقدم قبله، سيرفعون قبعاتهم كلما لمحوا صورة قائد الوطن تحية واحتراما لصانع عمان المعاصرة، لرائدها، للمحب الذي احب بلاده فأحبته، لمن قدم تلك المعجزات، وأظنني اعترف للمرة الاولى ان لامعجزة إلا في عمان ..
تمتد النعم في السلطنة كيفما يممت .. لا بد أن تراها دائما بصورة عاشق لها، كي تظل هذه المحبوبة على سحرها .. صحيح ان العالم صغير، لكن عمان أكبر منه وأرحب، فهي تمتد من الروح، وهل هنالك مدى لتلك الروح.
سيجد صديقي البروفسور ما لن يجده في اي مكان، انه الشعب العماني.. ذخيرة مخبأة لحكم العالم من أجل اتزانه وتوازنه واستقامته وعدالته وهدوئه ومحبته. العمانيون اليوم تجاوزوا شعوب الأرض لأنهم احبوا بلادهم الى حد الانصهار .. لايحب العماني السفر او الهجرة او ترك البلاد الا للاستجمام المحدود، لكنه بعد ايام من اقامته خارج بلاده يكتشف صعوبة البقاء حيثما هو موجود، مهما كان هذا العالم .. وبعض العمانيين اخبرني نقلا عن بعض السلك الدبلوماسي العماني انه لايهوى السفر لكنه من اجل ان يكون رسول بلاده يغادرها.
لاتجد عمانيا بلا مدرسة، ولا تجد مدينة او قرية او ريفا الا وله طرقه ومشاريعه الخاصة والتنمية مشدودة الى عصب العمانيين .. اينما ذهبت تصادفك السهر على صحة المواطنين بتلك المستشفيات الصغيرة والكبيرة. واقول لصديقي البروفسور سيكون لك لقاءات مع البحر لأن عمان أم البحار وديدنها ماؤه. ستعلم ان السلطنة باركها الله لأنه منحها جلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ فكان لها تلك المكانة التي يتطلع اليها العالم ، وهو من خلال مفهوم التوازن والاتزان، انها الاصعب في الخيارات، أن ترضي الجميع وأن يرضى عنك الجميع، مهمة شاقة، ونحن نعرف كم من البلدان التي ثمة من يحبها وآخر يكرهها الا عمان فهي اميرة قلوب الجميع وفي اي مكان على الكرة الارضية.
مر عيدها الوطني الرابع والاربعون قبل ايام، حيث يصادف يوم 18 من نوفمبر، احتفلت به السلطنة كلها، واقول لصديقي البروفسور ان كل شعب عمان رفع يده الى السماء والسماء بدورها رفعت هامتها وكان التضرع ان يحفظ جلالة السلطان وأن يمده بالصحة والعافية والعمر المديد .. من حشاشة القلب يمر الدعاء، من عيون مغرورقة بدموع الحنين اليه، من عقل متفتح لرؤيته، حيث في ذلك صحة للوطن الذي يلهج باسمه دائما.
قلت للصديق الاميركي السلطنة مواعيدها مفتوحة، قلوب اهلها قتاديل اضاءها الحب للآخر من اي مكان كان .. يشعر العماني بالتأهيل لأي قادم باحث عن بلاده لأنه يعرف سلفا ان خياره لن يكون العودة الى بلاده التي تركها بعدما اكتشف سحر عمان وقدرتها على الجذب.
وقلت له، لاتبخل على السلطنة بأيام معدودة، لتكن زيارتك مفتوحة على المدى، لن يكون امامك سوى الغرق في السحر الذي سيواجهك، صدقني، سوف تعوم عليه، وستنسى من اين جئت، بل كيف ستبقى حيثما عشقت المكان الذي كلما اوغلت فيه اعطاك المزيد ومنحك الرغبة في البقاء. ففي عمان كل مشهد هو جديد، وكل معلم يختلف عن الآخر، وكل صورة لها ألوانها الخاصة، كل نسمة لها من نصيب مكان مختلف، وكل جبل يخفي وراءه عالمه الخاص، ستمر بين تلك الجبال التي تصافحك وتماشيك بلا نهاية ، لاينتهي المكان ابدا لأنه مشدود الى روح هي سره وعظمته.
شرحت كل هذا للصديق الذي اعرف اهتمامه وانه يفضل طرح الافكار البناءة ويسعى اليها، ولهذا سيكون موعده القادم في الارض العمانية، في المناخ العماني، في كنه الجمال الممتد على مساحة وطن مغمور به .. وكنت كلما ازدت في الوصف ازداد حماسا، والحماس هنا ثابت ومتأجج كلما مر الوقت عليه ولن يكون طارئا، هكذا اعرف الصديق، انه من عمر مضى، رفيق درب واتفاق وتوافق، واعرف انه استاذ في اللغة العربية ايضا، وكم كان محبا لجبران خليل جبران عاشق اللغة ومهندسها وصاحب خصوصية فيها. وانه من عشاق لبنان ايضا، ليس لكونه من جذوره ، بل لأن فيه سحره الخاص ، ولهذا يختار كل صيف ان يكون نزيله.
كل كلمة قلتها سجلها في ذاكرته وعلى الورق .. امتلأت اوراق بوصفي للسلطنة، ولم يتفاجأ بما كنت اقوله وهو يعرفني جيدا باني لا أبالغ بل اتكلم بما احب، حقيقة ترافقني الكلمات التي تعنيني. فحين اقول له ما قلته عن السلطنة يزداد ثقة بالمكان وبإنسان السلطنة وبمنجزاتها وبقائدها الملهم، بطبيعتها الناضجة التي مرت عليها ملايين السنين وظلت وفية وفاء اهلها.
لا تغادرني الافكار عن السلطنة، وصفني احد العمانيين المعروفين بأني هائم ببلاده، فقلت له انت مجبر ان تكون عمانيا بحكم الولادة اما انا فقد اخترت عمانيتي بنفسي مع أني لم اولد بها .. تلك الكلمات التي ابوح بها ستظل رفيقة عمر عشته مع السلطنة قبل ان أراها او أمازج اهلها، فكيف بعدما عشتها شهورا طويلة، وعايشت العمانيين بكل حالاتهم فلم أر كالعمانيين شعبا صافي الذهن، حليما، يعرف ويغض الطرف، مسالما الى ابعد الحدود، لكنه قبل هذا كله مغرم ببلاده متعلق بها كتعلق الجذور بالتربة.
كنت اذن كلما تفوهت بكلمة وصف سجلها صديقي في اوراقه، فعرفت، انه يجهز مقالا سوف ينشره بعد زيارته القريبة جدا الى السلطنة. تلك الزيارة التي سيقرأ فيها كلماتي ليطابقها على الواقع، واعرف انه سيكتشف ان ما قلته اقل بكثير مما سيراه ويلمسه ويسمعه، وسيكتشف ان ماقد شعر به مغالاة في الوصف، سيكون هنالك ماهو تجاوز للحقيقة. فعمان تهتم بالكاشف الحذق وبالانسان العادي، بكل محب لها، بكل باحث عنها، بكل مسافر لأجل اكتشافها.
لقد قلت الواقع، قدمته كما يليق به وبمكانه، وانا مع جملة صديقي البروفسور ان عمان هي الجنة الموعودة، من المهم ان يراها من خلال تلك الفكرة، سيجدها تتفوق على فكرته، وسيتعلم في السلطنة انه اصاب عن بعد، فكيف الحكم عن قرب. بل سيكتشف ان اجمل الكلمات لم تقل بعد بحق السلطنة رغم ماقيل بها، وان احلى الشعر لم يتغن بعد بها، وربما افضل الرسوم لم تصل الى مستوى ألوانها.
عمان عالم خاص لا تراه إلا في عمان .. وبقدر ماهي موعودة فهي وعد لكل محب لها عن قرب وعن بعد.

إلى الأعلى