الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م - ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: خطاب عمان المستقبل وأشرعة التغيير القادمة

في العمق: خطاب عمان المستقبل وأشرعة التغيير القادمة

د. رجب بن علي العويسي

تواكب عمان المستقبل بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مرحلة جديدة في مسيرة نهضتها المتجددة، مرحلة لها خصوصيتها وطبيعتها الناتجة من عمق واتساع التحديات والمتغيرات التي تشهدها الساحة الدولية، والمتغيرات التي أملتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية والصحية ـ انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد19)، حيث جاء في خطاب عمان المستقبل: “وإننا لندرك جميعا التحديات التي تمليها الظروف الدولية الراهنة، وتأثيراتها على المنطقة وعلينا، كوننا جزءا حيا من هذا العالم، نتفاعل معه، فنؤثر فيه ونتأثر به.” وبالتالي ما يعنيه ذلك من تحولات قادمة في كل مفاصل بناء الدولة وصناعة الإنسان واستقراء أجندة المرحلة المقبلة التي تضع عمان في مقدمة الركب استمرارا لدورها الريادي والحضاري ومحافظة على المكانة التي تبوأتها في المنظومة الدولية “وإننا ماضون بعون الله على طريق البناء والتنمية، نواصل مسيرة النهضة المباركة، كما أراد لها السلطان الراحل رحمه الله، مستشعرين حجم الأمانة وعظمتها، مؤكدين على أن تظل عمان الغاية الأسمى في كل ما نقدم عليه، وكل ما نسعى لتحقيقه، داعين كافة أبناء الوطن، دون استثناء، إلى صون مكتسبات النهضة المباركة، والمشاركة الفاعلة في إكمال المسيرة الظافرة”، وبالتالي فإن خطاب عمان المستقبل يجعل من مسار التغيير خيارا استراتيجيا لضمان استمرارية الإنجاز والوصول إلى استحقاقات المرحلة، وينطلق من عقيدة صناعة الإنسان وفقه بناء المؤسسة باعتبارهما أهم مداخل التغيير الحضاري المؤطر، وأفضل مراحل التحول التدريجي التي تصنع مساحة أوسع للتجريب والإعداد والتهيئة والتعلّم من المواقف والأزمات والأحداث في بناء الوطن، وإعداد المواطن الواعي المتجاوب مع التوجيهات، وترقية الرأسمال البشري الاجتماعي والاستثمار فيه وصناعة الإنتاجية وتأصيل فقه المسؤولية وبناء إرادة الذات الصانعة للتغيير النوعي والساعية إلى زيادة أرصدة النجاح المتحققة على الأرض وتحقق النزاهة فيه، ذلك أن بناء دولة عصرية قادرة على الأخذ بأساليب التقدم والتطور والنهضة وتمتلك الوفرة في الوعي والإنتاجية بحاجة على التغيير في عقيدة العمل وبناء الفكر الاستراتيجي الملهم القادر على صناعة التغيير وإنتاج فرص النجاح؛ فإن الوصول بهذه الأشرعة إلى بر الأمان بحاجة إلى المورد البشري الفاعل في إحداث نقلة نوعية في المهام والاختصاصات وتوجيه الاهتمام بالممارسة المهنية لتحقيق أعلى مستويات الإنتاجية.
وبالتالي جاء خطاب عمان المستقبل حاملا معه أجراس الإنذار بالتغيير، ووضع النقاط على الحروف حول شكل التغيير القادم الذي تحتاجه عمان ويهيئ لها ممكنات القوة التي تضمن قدرتها على المواجهة والاستمرارية والتفاعل واستمرار إثبات بصمة حضور لها في الواقع الدولي كما كانت، وفق أشرعة عمل تتجه إليها عملية البناء للإنسان والمؤسسة، وتصبح إرادة التغيير في ظل معطيات الواقع الكوني حالة صحية ونهجا قويما لاستدراك طبيعة مستجدات كل مرحلة والظروف التي تعيشها، وتناغمها مع متطلبات البشر التي تتسم بالتنوع والديناميكية وعدم الثبات، وهو تغيير لا يقتصر على مسألة تدوير الوظائف أو تغيير الأسماء والمسميات الوظيفية والأشخاص أو دمج المؤسسات؛ بل يعكس مرحلة تغيير حضارية في عقيدة العمل وثقافة الأداء ومفهوم الوظيفية وتبني فقه المعايير في الاختيار والانتقاء المبني على الكفاءة ومهنية الأداء وصدق التوجه وإيجابية الفكر، وتنطلق من مفاهيم إدارة التحولات المعاصرة عبر تحديث منظومة التشريعات والقوانين، وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئه وتبني أحدث أساليبه، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة وخفض المديونية، وزيادة الدخل، والإدارة المالية الكفؤة والفاعلة والتوازن المالي والتنويع الاقتصادي واستدامة الموارد والاقتصاد الوطني والابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وتمكين الشباب وغيرها.
من هنا كان تحقيق أشرعة خطاب عمان المستقبل في ما يتعلق بإعادة ترتيب البيت الداخلي الوطني وتنظيمه وتأكيد كفاءته في إدارة الأزمات وتفاعله الإيجابي مع المعطيات وقدرته على الاستفادة من الممكنات لديه في إنتاج حلول ومستلزمات الواقع، بحاجة إلى المواطن الذي يتجاوز في تفكيره ذاتية الأنا وغلبة الأنانية والتجرد من المصالح الشخصية، يمتلك موجهات الخبرة والتجربة وأخلاقيات العمل وروح النزاهة والأمانة والإخلاص، وهي موجهات باتت بحاجة إلى وضوح في منهجيات البناء الفكري للمورد البشري وأن تعكس الممارسة الموجهة له عبر التعليم والإعلام والتشغيل والتدريب أو الأسلوب المعتمد في التوظيف واختيار الكفاءات وبناء القدرات وآلية الخطاب المؤسسي، مرحلة متقدمة من التثمير في الكفاءة الوطنية المجيدة بعيدا عن المحسوبيات والذاتية والشخصنة للسلوك والتوجهات الأخرى التي تجرمها القوانين ويضمن النظام الأساسي للدولة سواسية المواطنين في شغل الوظائف، على أن ما يحمله فقه المواطن وعقيدته وقناعاته من مفاهيم الإخلاص والولاء والانتماء والمسؤولية والمواطنة سوف تجسدها أشرعة التغيير في ميدان العمل والممارسة المهنية وأداء الوظائف العامة في ظل تعاطيه مع فقه الوظيفة وثقافة العمل المؤسسي وإنتاجية المؤسسات وكفاءتها الأدائية، وهو الأمر الذي جاءت الرؤية السامية لتحقيق التغيير فيه واقعا ملموسا وسلوكا حضاريا تترجمه عملية تجريب المواطن في المواقف وتكليفه بحس المسؤولية وعظم الأمانة التي يقودها سواء في مختلف مواقع العمل والمسؤولية “ومن أجل توفير الأسباب الداعمة لتحقيق أهدافنا المستقبلية فإننا عازمون على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئه وتبني أحدث أساليبه، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة؛ لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات رؤية عمان 2040 وأهدافها، وهي مع مرتكزات عمل أخرى تتجه إلى كافة قطاعات العمل والإنتاج وبشكل خاص ما يتعلق بمراجعة أعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة بهدف تطوير أدائها ورفع كفاءتها وتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية، والاهتمام بآليات صنع القرار الحكومي بهدف تطويرها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا”.
وعليه، شكَّل خطاب عمان المستقبل إطارا وطنيا لتأصيل فقه إدارة التغيير وصناعة عقيدته في فقه المؤسسات وسلوك المواطن، وأصبحت موجهات الخطاب في عمقها واتساعها وشموليتها لمنظومة العمل الوطني وبناء الدولة في سلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وتجسيده في كينونية البناء المؤسسي وبيئة العمل ومناخ الأداء ومنظومة القوانين والتشريعات واللوائح والأنظمة وأدوات المحاسبية والمساءلة ترسيخا للنزاهة وتحقيقا للعدالة والتي بدأت ملامحها تنسج خيوط المستقبل في التغييرات التي بدأت تطول منظومة العمل الوطني وتجسد في حقيقتها تحولا نوعيا نحو عمان المستقبل التي ستراهن على هذه القيادات مرحلة إنجاز المهام وتحقيق المسؤوليات بأدوات مختلفة وأساليب أكثر تقنيا ومعيارية والتي ستجد من لدن جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ كل العناية والمتابعة والدعم، وبالتالي ما التزمه الخطاب من نهج الشمولية والاتساع في مداخل التغيير فهي لا تقتصر على مرحلة دون أخرى أو فئة دون غيرها أو مستوى إداري دون آخر أو مستوى تنظيمي وهيكلي دون غيره، بل هي منظومة شاملة لكل الفئات تتعاطي مع الواقع بنظرة أكثر تفاؤلية وتشاركية يستشعر الجميع قيمتها في تحقيق التحول، وهي في اتساعها وعمقها تؤسس لمرحلة القوة التي تنتظر مساحات أكبر لتجديد الدماء وإعادة إنتاج الوظائف وتأهيل القيادات وبناء القدوات وتمكين الموارد والتثمير فيها، وهي في الوقت نفسه اتسعت لتشمل الموجهات الاقتصادية باعتبارها ركيزة العمل ومدخل البناء والمسار الذي يضمن النهوض بالقطاعات الأخرى، كونها مدخلات استراتيجية لصناعة التغيير القادم الذي تتجه إليه الإرادة الوطنية، في سبيل بناء الدولة اقتصاديا والتثمير في العقل الاستراتيجي، ومرحلة متقدمة في هندسة البناء الذاتي لشخصية المواطن في قدرتها على التعايش مع مستجدات المستقبل وظروفه والعيش في ظروف صعبة وأوضاع متغايرة ـ لعل كورونا شاهد إثبات على وجودها ـ وهي مرحلة باتت بحاجة إلى بناء أرضية مؤسسية ديناميكية قادرة على استيعاب التغيير وإعادة هندسة العمليات الداخلية الموجهة، وأن تنطلق من موجهات واضحة وأطر مقننة واستراتيجيات حكيمة وأدوات رصينة، وأن تجد في البعد البشري والمؤسسي مساحة احتواء لها لضمان تحقيق إنتاجية التغيير.
لقد سعت أشرعة التغيير التي جاء بها خطاب عمان المستقبل إلى مسار التوازن في المحافظة على أرصدة النجاح المتحققة والتثمير فيها بما يعزز من كفاءة أداء منظومة الجهاز الإداري للدولة في صناعة التغيير لكونها الحاضنة للكفاءة العمانية المنتجة لفكر التغيير وتنشيط أدواته وتصحيح مساراته، وبناء أنموذج للمواطن الكفء المنتج الذي يستطيع أن يتعامل مع متطلبات المرحلة بإرادة قوية وعزيمة لا تلين، وعندها تصبح المؤسسات صورة مصغرة لبناء الإنسان الواعي لمسؤولياته القادر على إدارة أشرعة التغيير وتوجيهها لصالح البناء الوطني، والتي تستمد مقومات نجاحها من بناء الإنسان النموذج، صانع التغيير ومؤسس أرضيات نجاحه؛ من يحمل على عاتقه رسالة التغيير ومبادئها، إذ هو من يحوّل المادة الخام في الأنظمة والبرمجيات المؤسسية المختلفة، والصفحات الإلكترونية للمؤسسات في منصات التواصل الاجتماعي؛ والتشريعات والقوانين وأنظمة العمل وأساليب الأداء والقرارات والتعليمات والتعميمات الصادرة في تنظيم الجهاز الإداري للدولة إلى حركة ديناميكية وسلوك تنظيمي وأنظمة حياة، تحقق التميز، وتبني المهارة، وتقوي دافع الحافز، وتؤسس فرص المنافسة، وتصنع الموظف الذي يحقن هذه البرامج والأنشطة بأنسولين التغيير الإيجابي فيضيف إليها ويطور منها ويُحسن استخدامها، ويصنع منها محطة إنجاز، ومنطلقا للمزيد من الشعور الإيجابي بجميل ما تحقق، وهو في كل ذلك يستقرئ في التغيير مساحة أمان لاستعادة أمجاد وطنه، وفرصة لتقوية روح المواطنة والولاء والانتماء للوطن وقيادته، تظهر في سرعة الإنجاز والدقة والمعيارية في تقديم خدمة عالية الجودة تلامس الأذواق وتقترب من سقف التوقعات، فيكسبها من ضمير المسؤولية والأخلاق والمهنية ما يشيد بها حصون القوة، ويبني خلالها مسارات الوعي، ويستنطق خلالها قيم الأمان والإخلاص والنزاهة، ويصل بها إلى ميدان المنافسة شامخ العطاء عظيم الإنجاز راقي السلوك لتُدخل فلسفة التغيير الممارسة المهنية المتدنية للمؤسسات والتأخير في إنجاز المعاملات أو ما يحصل من اختلاس للمال العام وغيرها من الرواسب المضرة بتقدم المؤسسات والمتسببة في تطاول يد الموظف على الحق العام أو ما يدخلها من شوائب تسببت في عرقلة سير الإنجاز وتأخره وتضييع مصالح المواطنين وحقوقهم، لتمثل في غرفة التشخيص والمراجعة والتصحيح صاغرة أمام محكمة الوطن وعدالته تحقيقا النزاهة والمساءلة والمحاسبة “وهذا ما عقدنا العزم على إرسائه وصونه؛ حتى نصل للتطور الذي نسعى إليه، والازدهار الذي سنسهر على تحقيقه، والنزاهة التي لا بدّ أن تسود كافة قطاعات العمل وأن تكون أساسًا ثابتًا راسخًا لكل ما نقوم به”.
ويبقى نجاح المواطن في استلهام أشرعة التغيير التي جاء بها خطاب عمان المستقبل مرهونا بما يمتلكه من فقه التغيير وأحكامه وحدوده ومتطلباته وتجسيده في واقعه وإدراك ما تتطلبه هذه المرحلة منه، فيدرك أنه مسؤول عن أي إخفاقات في نطاق عمله، كما أنه شريك في رسم فرص النجاح، وأن حاجته إلى استلهام قيم النزاهة والتزامها الطريق الذي يحفظه من التعدي على حرمات الوطن وحقوق المواطنين ويجنبه مزالق الريب ومواطن الشك، وتلمسه منهج الصدق والأمانة والمسؤولية والمهنية والعدالة في كل خطوات العمل، وعندها ستزول كل البقع المضللة والشوائب المترسبة والأفكار المسيئة للوظيفة والمال العام والحقوق والواجبات، فإن التغيير الذاتي عندما يلتصق بجدار المسؤولية، ويقترب من ضمير الواجب، ويتفاعل مع حس الشعور، ويستقرئ ردود الأفعال ويفهم ما يدور في فلك الممارسة ويستمع لهمسات من لحقهم الظلم وانهال عليهم التجنّي ونالتهم إخفاقاتها، وعندها لن يكون هناك حديث عن اختلاسات للمال العام فصوت العدالة قائم، أو إشكاليات في التمويل والاستثمار وإدارة المشروعات، بقدر ما هو توظيف للفرص وصناعة للبدائل وتنافسية في المنتج وتفوق في الإدارة، لتصبح مسألة التغيير واقعا عمليا وسلوكا حضاريا ومنهجا وطنيا وسباقا نحو الوصول إلى إنتاج حلول للتحديات المرتبطة بالتشغيل والتوظيف والوظائف، والباحثين عن عمل والتسريح ونقص الكفاءة الوطنية في القطاع الخاص وضعف مستوى الإنتاجية بالمؤسسات والترهل الوظيفي وضعف مستوى التوزيع العادل للمهام والمسؤوليات، والتعقد في الإجراءات والمحسوبية والأنانية والاستغلال السلبي للوظائف العليا وغيرها من الأمور التي يطرقها جرس إنذار خطاب عمان المستقبل ـ خطاب التغيير ـ لمرحلة جديدة تعالج فيها كل هذه المنغصات والمشوهات ومعكرات المزاج الوطني الراقي التي باتت تسيء لعمان وتعرقل تقدمها وتستنزف مواردها وترهق موازنتها وتزيد من عجزها وتقلل من إيراداتها، وتطفئ شغف الإرادة والحماس لأبنائها المخلصين العاملين المجتهدين، بأسلوب عصري ومنهج علمي وإرادة واعدة ورؤية حالمة واستراتيجيات عملية مراجعة لكل الإخفاقات الحاصلة في الملفات الاستراتيجية الداخلية، وبدائل يصنعها المواطن نفسه ويؤسسها بعرق جبينه وكد يمينه وحسن توظيفه للفرص، وما يحمله من مبادئ الإخلاص والمسؤولية والكفاءة والنزاهة والمهنية والإنتاجية، في التزام باحترام التغيير وتقديره وتطبيق مساراته وتأصيله كمسار حياة ومنهج عمل، لينعكس إيجابا على أداء منظومة الجهاز الإداري للدولة والتثمير في الموارد الوطنية وحسن إدارتها وتعزيز البناء الاقتصادي والتنويع فيه، للانتقال بعمان إلى مستوى طموحات وآمال أبنائها المخلصين في متخلف المجالات.

إلى الأعلى