الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العرب على شفا جرف هار…و الله أعلم

العرب على شفا جرف هار…و الله أعلم

د.أحمد القديدي

” .. أنا ما أزال على رأيي بأن لا أمن مستقرا في تونس إلا إذا هدأت ليبيا الشقيقة فهي أكثر من جارة لأننا والشعب الليبي لحمة تاريخية قوية منذ العهد الروماني ونشترك وإياه في ذات القبائل وسالت دماء التوانسة والليبيين في حروب مقاومتنا للاستعمار (الاستخراب هو اسمه الحقيقي) منذ حرب ليبيا ضد الطليان إلى حرب التحرير التونسية وصولا إلى الثورتين الشعبيتين ضد الطغيان…”
ـــــــــــــــــــــــــــــ

كل الأحداث العربية الفاجعة التي تتعاقب يوميا أمام عيوننا و في عقر ديارنا هذه الأيام تنادينا على الأقل للاعتبار ووقفة تأمل مع الذات لنفيق من غفلتنا ونتدارك المصيبة قبل استفحال الكارثة. عديد الدول العربية التقليدية بشكلها القديم تنهار بسرعة لتجرف جاراتها إلى نفق مظلم كقطع الدومينو فالعراق تقام في ثاني أكبر مدنه الموصل عاصمة مرتجلة للخلافة وتهدد مدنها الأخرى بالسقوط المبرمج وفي سماء سوريا تحلق طائرات ثلاثين دولة غربية مسيحية تنادت لمحاربة عدو مجهول حول أكبر مدنها الاستراتيجية الواقعة على الحدود مع تركيا (عين العرب) بينما الحلفاء المحاربون منقسمون حول مصير الأسد والنظام السوري الراهن مما يعقد المواجهة بل يجعلها مستحيلة التنفيذ وغير مأمونة النتيجة ثم يحولها إلى حرب صليبية تاسعة تستهدف المسلمين لا الإرهابيين وفي العراق كذلك يربض جيش داعش على بعد مسافات قصيرة من أهم المدن وتتحالف معه قوى تقليدية من الجيش العراقي القديم بسلاحه وصواريخه وطيرانه المقاتل وهو الجيش الذي قام بحله (بريمر) سنة 2003 ومعززا بالعشائر السنية التي ذاقت الأمرين من حكم نوري المالكي الذي لم يستطع الترفع عن الثأر والإقصاء وكان سببا من أسباب إنهيار البنيان لأنه لم يؤسس دولة ما بعد صدام على تقوى من الله ورضوان. كما أن حكام العراق الجدد أذنوا بشنق صدام حسين فجر يوم عيد الأضحى في مشهد درامي يخزي منفذيه كان له تأثير واسع ومريع في وجدان مليار ونصف المليار مسلم مهما كانت التهم الموجهة لصدام حسين فإن التعاطي مع السياسة هو أخلاق أو لا يكون وهو خطأ في التقدير ارتكبه هؤلاء الحكام في لحظة طائفية كان أحرى أن يكونوا أرفع منها. أما الوضع اليمني الذي اعتقدنا منذ سنة 2011 أنه سعى نحو الانفراج وأن الوساطة الخليجية الكريمة أطفأت فتيل الفتنة بسيناريو بدا لنا كأنه أرضى جميع الأطراف وهيأ البلاد لمرحلة من الوفاق والسلام ولكن رياح الحسابات القبلية والطائفية جرت بما لا تشتهي سفن اليمن السعيد ولعلع الرصاص بين الإخوة وغابت الدولة ليحل محلها صراع دموي بين الحوثيين والقاعدة.
وفي مصر يتفاقم الصراع الذي أصبح مسلحا بين النظام ومؤيدي الإخوان وفي ليبيا تأسست الفوضى الثورية على أنقاض الفوضى القذافية وتشكلت حكومتان وتكون برلمانان لكن الميليشيات المسلحة بقيت سيدة الموقف وأصبح الوضع الأمني ميؤوسا منه غير خاضع لمنطق عقلاني سليم وكان لابد للجارة تونس التي نجت برأسها من الفتنة والعنف أن تحتاط من الفوضى الليبية وهي تقترب منها بخطى ثابتة إلى درجة أن صوتا تونسيا من أصوات داعش صرح في فيديو على الفيسبوك بأن داعش على بعد 60 كلم من بن قردان المدينة التونسية الحدودية. وأنا ما أزال على رأيي بأن لا أمن مستقرا في تونس إلا إذا هدأت ليبيا الشقيقة فهي أكثر من جارة لأننا والشعب الليبي لحمة تاريخية قوية منذ العهد الروماني ونشترك وإياه في ذات القبائل وسالت دماء التوانسة والليبيين في حروب مقاومتنا للاستعمار (الاستخراب هو اسمه الحقيقي) منذ حرب ليبيا ضد الطليان إلى حرب التحرير التونسية وصولا إلى الثورتين الشعبيتين ضد الطغيان لكن السبيلين تفرقا لأسباب داخلية وخارجية فنجحت تونس في أن تتقدم على درب الحريات والمؤسسات بأقل التكاليف رغم أن استشهاد عدد من الشباب أثناء الثورة والسياسيين والجنود ورجال الأمن بعدها لم يكن بالهين أو المقبول لكن الثمن الذي دفعه التوانسة من أجل استعادة كرامتهم كان أرحم من ضحايا البلدان الأخرى. وحين أتأمل هذه الحال العربية تحضرني الأية الكريمة: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هار ٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (التوبة آية 109) من هذه الحكمة القرآنية المجيدة ننطلق لنتبين أن الله عز وعلا قسم البنيان إلى قسمين (و البنيان هنا حسب أغلب المفسرين هو كل ما بناه الإنسان من البيت إلى المدينة إلى الحضارة) نوعان من البنيان الأول أسسه أصحابه على تقوى من الله ورضوان والثاني أسسه أصحابه على شفا جرف هارفانهار به (و بهم) في نار جهنم و تأتي الحكمة الربانية بعد ذلك لتؤكد العبرة من الصنفين وهي: والله لا يهدي القوم الظالمين، لأن الحق تعالى يقول لنا بأن الذين أسسوا بنيانهم على شفا جرف هار هم القوم الظالمون أي المسؤولون عن نتائج ظلمهم. وهذه الحكمة الخالدة ترسم صورة لعرب اليوم أصدق تصوير وتعبر عن واقعهم المأساوي أبلغ تعبير و لكن أغلب الناس لا يدركون. و كنت منذ أيام رأيت وسمعت النائب في مجلس العموم البريطاني المستعرب الأمين و المناضل الجريء (جورج جالواي) يفسر لمجموعة من الطلاب العرب في جامعة لبنانية كيف أن العرب كانوا متحدين أقوياء في عهد الخلافة و تفرقوا شيعا و مللا و نحلا و دولا كرتونية بينما كان الأوروبيون في عهود تقاتلهم و تحاربهم متفرقين ضعفاء فأدركوا منذ الحرب العالمية الأولى ثم الثانية (وهي حروب أوروبية و مسيحية لا عالمية) بأن الوحدة قدر لا بد منه وبأن القوة في إتحادهم فأسسوا الإتحاد الأوروبي نوعا نموذجيا من الخلافة المسيحية مع اختيار خليفة واحد هو السيد (هرمان فان تروب) اللكسمبوري بايعه الأوروبيون وببيت مال المسلمين (أي المسيحيين هنا) الذي هو البنك المركزي الأوروبي وبديوان المظالم الذي هو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورج وبأهل الحل والعقد الذي هو البرلمان الأوروبي في بروكسل و بعملة نقدية واحدة هي اليورو وهو الأقوى اليوم في أسواق المال. ويضيف النائب البريطاني قائلا: أنتم 350 مليون من العرب تتكلمون لغة واحدة وتعبدون إلها واحدا بينما نحن 350 مليون من الأوروبيين نتكلم 23 لغة وتفرقنا الأديان والمذاهب والأعراق والمصالح لكننا نشكل اليوم قوة عظمى هي الإتحاد الأوروبي ولا نقبل بعضوية تركيا لأنها فقط مسلمة لأننا نادي مسيحي مغلق ! هذه هي اليوم حال العرب ونرجو أن تقوم القمة العربية القادمة بتقييم صحيح لأوضاع العرب في عالم متقلب عادت فيه الحرب الباردة بين العمالقة في بؤرة أوكرانيا تنذر بانقلاب الأولويات لدى واشنطن وموسكو وبيكين ليتأخر ملف فلسطين وملف الطاقة وملف النووي الإيراني إلى درجات سفلى من إهتمام القوى العظمى والمتعاظمة فيكون العرب….كل العرب الحطب القادم لا قدر الله في لهيب التحولات الحضارية و الاستراتيجية الكبرى للقرن الحادي والعشرين.

إلى الأعلى