الأربعاء 23 سبتمبر 2020 م - ٥ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / ممهدات الطريق للمحتل

ممهدات الطريق للمحتل

هيثم العايدي

في معظم كتب التاريخ دائما ما يكون الحديث عن ما يرتكبه الاحتلال من فظائع ونهب الثروات في إسهاب يعادله أيضا الحديث عن حجم القوة العسكرية والآليات التي أتى المحتل على ظهرها دون الخوض في تفاصيل تمهيد الطريق لهذه الآليات عبر مجموعات من العناصر المحلية الداعمة حتى وإن ظهر خلاف في شعارات هذه المجموعات، إلا أنها تستوي في مآلات ما اقترفته.
وخلال الحقبة الاستعمارية في القرن الماضي والقرن السابق له كان منطق احتلال الأقوى للأضعف والاستيلاء عليه وتسخيره لمطامعه غير مستنكر من حيث إنه واقع يتكرر باستمرار، غير أنه احتاج إلى بعض التبرير مثل ادعاء المحتل أنه جاء حاملا مشاعل التنوير والعلم والمعرفة وترديد داعمي المحتل لهذه التبريرات سعيا لمكاسب من المحتل أو من ناحية أخرى إغراق حكام الدول التي تم احتلالها شعوبهم في فوضى ومشاكل وسوء إدارة جعلت من السهل احتلال بلدانهم.
لكن المستغرب أنه بعد انتهاء حقبة الاستعمار واعتذار العديد من المحتلين عن جرائم ارتكبوها في مستعمراتهم السابقة ـ وإن كان اعتذارا شكليا لا يغير واقعا ـ نجد أن من يمهدون الأرض للمحتل ما زال لهم وجود منخرطين في مجموعات من العناصر المحلية الداعمة التي تبذل قصارى الجهد لهدم أوطانها، وتحويلها إلى خرائب يسهل احتلالها، بل وتصبح المطالبة بهذا الاحتلال شيئا يلتمس العذر لطالبه.
وعلى اختلاف شعارات جميع مجموعات (العناصر المحلية الداعمة للمحتل) نجد أن كل شعاراتهم تحمل مقصدا واحدا وهو إلغاء الدولة الوطنية، سواء بشعارات تحمل طموحات إلحاق بلادهم بأوهام الامبراطوريات ودول الخلافة أو بالمشاريع غير القابلة للتحقيق والعابرة للحدود أو شعارات أخرى تدعو لهدم الأنظمة القائمة بدعوى بناء نظام مثالي طوباوي غير موجود إلا في خيالاتهم.
وعلى الرغم من الأوهام التي تحملها هذه الشعارات، إلا أن خطورتها تكمن في أن الانسياق وراءها يؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة بدءا من مؤسساتها الخدمية التي يقل أداؤها أو يكاد ينعدم جراء انشغال القائمين عليها بصراعات وحسابات تخص النفوذ والبحث عن قضم أكبر حيز من كعكة السلطة أو ارتهان القائمين عليها لجهات ومشاريع غالبا تكون من خارج حدود الدولة.
أما الجائزة الكبرى التي تسعى إليها مجموعات العناصر المحلية الداعمة فتتمثل في إضعاف أو إلغاء المؤسسات الأمنية والجيوش الوطنية للدول، كونها خط الدفاع الأخير عن الدولة الوطنية لتصبح هذه الجماعات المتحكم في مقدرات الدولة، وتكتمل وظيفتها بتمهيد الطريق للمحتل بصورته الحديثة والتي لا تكلف المحتل عناء إطلاق رصاصة واحدة.
فأخطر ما تواجهه أية دولة هو وجود جماعات لا تعترف بها أو تدعو لعدم المساواة بين مواطني الدولة الواحدة ليكون الولاء للوطن تاليا على ولاءات أخرى .. ويصبح الحنين للمحتل وسيلة بائسة للهروب من جحيم تفكك الدولة وفشلها.

إلى الأعلى