الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م - ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / صعود الدولار ومآلاته (1-2)
صعود الدولار ومآلاته (1-2)

صعود الدولار ومآلاته (1-2)

خالد الصالحي:
لقد استطاع الدولار وعلى مدى 70 عاما أن يحافظ على مكانة مميزة ومهيمنة في الاقتصاد العالمي، فهو يشكل اليوم ما يقارب ٦٠% من الاحتياطات النقدية في البنوك المركزية لدول العالم، أضف إلى ذلك أن معظم التبادلات التجارية بين دول العالم تتم بواسطة الدولار، فعلى سبيل المثال، يقدر بعض الخبراء أن ٨٥% من معاملات الصرف الأجنبية تتم بواسطة الدولار، هذه الأرقام تشير بوضوح على مدى قوة الدولار وتغلغله في الاقتصاد العالمي.
لقد بدأت رحلة صعود الدولار بعد الحرب العالمية الثانية لأن أميركا خرجت من تلك الحرب باقتصاد قوي، بالإضافة إلى ذلك كانت أميركا تمتلك أكبر احتياطي للذهب في العالم والذي تم تهريب معظمه من أوروبا أيام الحرب خوفا من بطش هتلر، والذي كاد أن يسيطر على أوروبا لولا تدخل أميركا إلى جانب الحلفاء.
في عام ١٩٤٤ تم عقد اتفاقيات بريتون وودز واستطاعت أميركا أن تقنع المجتمعين وعددهم ٤٤ دولة بأنها الدولة الأكثر أمانا والأقوى اقتصادا، واقترحت عليهم تثبيت الدولار مقابل العملات الأخرى فأصبح الدولار هو المعيار كما أنها تعهدت بأن يتم تغطية طباعة الدولار بالذهب وقد اقتنعت هذه الدول بهذا الاقتراح؛ باعتبار أن الاقتصاد الأميركي كان هو الأقوى، حيث كان الناتج المحلي الأميركي في تلك الفترة يشكل ما يقارب 40% من الناتج العالمي، وبسبب الحروب التي خاضتها أميركا في فيتنام وكوريا قامت بطباعة الكثير من الدولارات بدون غطاء من الذهب وذلك لتغطية نفقات الحرب، بعدها أدركت بعض الدول أنها تعرضت لمكيدة أميركية، فقد كانت أميركا تبيعهم حفنة من الورق بدون قيمة تذكر، وأول من انتبه لهذا الأمر هو الرئيس الفرنسي شارل ديجول الذي سارع في عام ١٩٧١ بالمطالبة بتحويل أموال البنك المركزي الفرنسي من الدولارات إلى ذهب. بطبيعة الحال لم تستطع أميركا الاستجابة لهذا الطلب وعندما أيقنت بانكشاف لعبتها قام الرئيس الأميركي نيكسون سنة ١٩٧٣ بإلغاء اتفاقية بريتون وودز، وأعلن فك الارتباط بين الدولار والذهب، شكل ذلك الأمر صدمة كبرى للعالم عرفت فيما بعد بصدمة نيكسون، وكاد ذلك أن يؤدي إلى انهيار كامل للدولار، ولكن الدهاء والخبث الأميركي تفتح لفكرة أخرى لاستعادة بريق الدولار ألا وهو ربط الدولار بنوع آخر من الذهب وهو الذهب الأسود (النفط) لذلك سارع وزير الخارجية الأميركي كيسنجر إلى عقد اتفاق مع الملك فيصل تعهدت بموجبه المملكة العربية السعوديه ببيع النفط بالدولار حصرا، وفي المقابل تعهدت أميركا بتوفير الحماية العسكرية للسعودية، استطاعت السعودية فيما بعد تمرير هذا القرار إلى منظمة أوبك، وبذلك تم فرض واقع جديد للدولار وإعطاؤه دفعة أخرى للتربع على المشهد العالمي ذلك أن النفط الذي يعتبر أهم سلعة في العالم أصبح فيما بعد يباع ويشترى بالدولار حصرا، لقد أدركت أميركا جيدا أن استمرارية سيطرة الدولار مرهونة باستمرارية سياسة البترودولار، ولذلك كانت بالمرصاد لأي محاولة لبيع النفط بغير الدولار، وأكبر دليل على ذلك ما حدث للعراق وليبيا وفنزويلا التي أرادت في يوم من الأيام أن تبيع النفط بعملة غير الدولار فقد رأينا ما حدث لتلك الدول ولا داعي لسرد ذلك فتلك حكاية أخرى.
إن سياسة البترودولار تفسر لنا لماذا استطاعت أميركا أن تتجاوز الكثير من الأزمات الاقتصادية التي مرت بها، فعلى الرغم من الانخفاضات الكبيرة للدولار بعد كل أزمة اقتصادية تحدث في أميركا، إلا أنه سرعان ما يستعيد عافيته من جديد ويحافظ على مكانته، بجانب ذلك كان الدولار وحتى وقت قريب يتمتع بثقة الكثير من دول العالم والمؤسسات المالية وكان يعتبر على مدى عقود الملاذ الآمن وقت الأزمات.

السؤال الذي يطرحه الجميع هو: إلى متى سيستمر الدولار العملة المسيطرة على اقتصاد العالم؟
للإجابة على هذا التساؤل يجب أن نشير إلى أن مكانة الدولار في السنوات الأخيرة بدأت تتزحزح لمصلحة عملات أخرى، ظهر أول تحد للدولار سنة ١٩٩٩ عندما اتفقت دول الاتحاد الأوروبي بإنشاء عملة موحدة وهي (اليورو)، حينها بدأت بعض المؤسسات البحثية في أميركا تدق ناقوس الخطر،منها على سبيل المثال هيئة الأبحاث الاقتصادية الأميركية التي توقعت أن تصل نسبة اليورو في الاحتياطيات النقدية العالمية إلى ٨٠% بحلول عام ٢٠٤٠ وأن تنخفض نسبة الدولار إلى ٢٠%، وبالفعل كان اليورو يتجه إلى ذلك حيث ارتفعت هذه النسبة من ٢٠% في نهاية التسعينيات إلى ٣٠% قبيل الأزمة المالية في ٢٠٠٨ ولكن سرعان ما انخفضت بسبب الأزمات التي تعرضت لها منطقة اليورو في السنوات الأخيرة والتي تسببت في انخفاض ثقة العالم بعملة اليورو. ما نستطيع قوله إن الأمور لم تحسم بعد وإن اليورو (بجانب اليوان الصيني) ما زال يشكل تهديدا حقيقيا لمكانة الدولار في المدى البعيد على أقل تقدير، فالإحصائيات تشير إلى انخفاض مستمر لنسبة الدولار في الاحتياطيات النقدية العالمية، حيث انخفضت هذه النسبة من ٦٦% إلى ٦١% في الفترة ما بين ٢٠١٤ و٢٠١٩، بمعنى أن دول العالم بدأت تفقد الثقة في الدولار وتستبدله بعملات أخرى، وأن تراجع الثقة بالدولار راجع لعدة أسباب وهذا ما سنتعرض له في الجزء الثاني من المقال بإذن الله.

إلى الأعلى