الإثنين 28 سبتمبر 2020 م - ١٠ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / التطورات في البيئة الأمنية المعاصرة وأهمية تأهيل وتطوير قانون الإرهاب العماني

التطورات في البيئة الأمنية المعاصرة وأهمية تأهيل وتطوير قانون الإرهاب العماني

محمد بن سعيد الفطيسي

يعتبر قانون مكافحة الإرهاب العماني من القوانين الحديثة نسبيا إذا نظرنا إلى ذلك من ناحية إصداره، حيث صدر في شهر يناير من العام 2007م، وبالتالي فإن عمر هذا القانون ما يقارب الـ13 سنة تقريبا. على أن الناظر إليه وأقرانه من قوانين مكافحة الإرهاب الصادرة خلال هذه المدة الزمنية، أو القوانين الموازية له كقوانين غسيل الأموال وتمويل الإرهاب من جهة مواكبتها لمختلف التطورات الحاصلة في النظام العالمي. لا يمكن إلا أن يجد العديد من جوانب النقص والتأخير في مواكبة تلك المتغيرات والتحولات الدولية المتعلقة بمكافحة جرائم الإرهاب، وهو أمر طبيعي بكل تأكيد نظرا لسرعة وكثافة تلك المتغيرات الدولية العابرة للحدود الوطنية، وبالتالي صعوبة مواءمة تلك القوانين مع سرعة وكثافة تلك المتغيرات في البيئة الأمنية الدولية.
ومن وجهة نظري الشخصية أجد أن بعض القوانين ومن ضمنها قوانين مكافحة الإرهاب والقوانين الموازية لها يجب أن يتم تحديثها ومراجعتها بشكل دوري، كل 3 سنوات على الأكثر، وذلك لكون هذا النوع من القوانين يتعامل مع قضايا ذات طابع متداخل مع العديد من المتغيرات الدولية كالمتغير السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والفكري وغير ذلك، وكل تلك المتغيرات تتداخل وبيئة أمنية شديدة التعقيد تتسم بالتقلب والتوجس والغموض وسرعة الأحداث.
كل ذلك أثر بشكل مباشر وقوي على جرائم الإرهاب، من حيث اتساع بقعتها الجغرافية وتطور وسائلها واستراتيجياتها وحتى أهدافها التي باتت أكثر دقة وتنوع وخطورة، يضاف إلى ذلك الأمر تطور التنظيمات والجماعات وحتى ما يطلق عليه بالإرهاب الفردي خلال الفترة الزمنية التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001 على وجه الخصوص، الأمر الذي يفترض معه تطوير السياسات الجنائية المتعلقة بمكافحة جرائم الإرهاب، سواء كانت تلك السياسات سياسات وقائية، أو تجريمية وعقابية، أو سياسات تأهيلية، أو حتى من حيث السياسات طويلة المدى والتي ترتكز على الاتفاقيات والتعاون الدولي.
أما بخصوص قانون مكافحة الإرهاب العماني رقم 8/2007م، فإنه وبعد مضي 13 سنة أصبح بحاجة إلى إعادة تطوير وتأهيل تشريعي جذري ليواكب بعض أهم تلك التغيرات والتحولات الحاصلة على مستوى جرائم الإرهاب، والتي أفرزتها البيئة الأمنية والسياسية المعاصرة، خصوصا ما يتعلق منها بالإرهاب البيئي والفكري وكذلك الإرهاب الاقتصادي والتكنولوجي، وما حدث في العديد من دول العالم خلال الفترة من العام 2007 – 2020م كفيل بتأكيد ضرورة وأهمية تطوير وتأهيل قانون مكافحة الإرهاب العماني.
ومن أبرز النقاط التي يمكن طرحها في هذا الجانب الهادف إلى تطوير قانون الإرهاب العماني سالف الذكر، والتي تم استنتاجها من خلال مقارنة أكاديمية مع بعض التشريعات العربية الموازية، وتسليط الضوء على بعض التطورات الحاصلة في البيئة الأمنية الدولية في ما يتعلق بتطور جرائم الإرهاب والتنظيمات الإرهابية. النقاط والملاحظات التالية:
أولا: على مستوى المفاهيم والتعريفات: بالرغم من صعوبة التوصل إلى تعريف جامع مانع للإرهاب إلا أن هناك جانبا آخر يجب التنبيه إليه وهو أهمية وجود تعريفات لبعض الجرائم المنبثقة عن الإرهاب كجرائم “التشجيع على الإرهاب، والأنشطة المتطرفة، وجرائم الإشادة والترويج والتحبيذ والتمجيد، وذلك لتحقيق أهداف السياسة الجنائية كالعدالة الجنائية والمحافظة على حقوق الإنسان كحرية التعبير، مع التأكيد على أهمية رصانة ودقة التعريفات، وبمعنى آخر البعد عن التعريفات الفضفاضة والقابلة للتأويل وتعدد التفاسير”.
أولا: على مستوى جرائم الإرهاب البيئي: تناول المشرع العماني الإرهاب النووي كأحد أبرز أسباب الإرهاب التي يمكن أن تتعرض لها البيئة العمانية في قانون مكافحة الإرهاب المشار إليه، على أنه لم يسلط الضوء بشكل أوسع على جانب الإرهاب الناتج عن الأسلحة البيولوجية والكيميائية أو يتعامل معها في سياق المخاطر الإرهابية.
صحيح أنه تمكن من تغطية بعض جوانب النقص السابقة في قانون الجزاء العماني الصادر في العام 2018، كما هو واضح من نص المادة (113) رغم أنه لم يحدد أشكال المواد الوبائية في هذه المادة، وقد أحسن بإصداره لنظام تنفيذ اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية وتدميرها ولو بشكل متأخر بالمرسوم رقم 39/2019م.
لذا ومن ضمن أبرز التوصيات التي يمكن طرحها في هذا السياق. تضمين “إلحاق الضرر بالموارد الطبيعية” في تعريف الإرهاب، كما فعل ذلك المشرع المصري في نص المادة (86- 2) من قانون مكافحة الإرهاب المصري رقم 94/2015م، وبالتالي وبالإضافة إلى جرائم الإرهاب التي يمكن أن تلحق الضرر بالبيئة يكون المشرع العماني قد أضاف تلك الجرائم مهددات مصادر الدخل القومي الطبيعية في حال توفر الباعث الإرهابي بكل تأكيد.
وأخيرا في هذا الجانب ومن ضمن أهم التوصيات التي يمكن طرحها “أهمية تشديد عقوبة سرقة والاستيلاء على مواد غير محرمة يمكن استخدامها في ارتكاب أعمال إرهابية ولو كانت تستخدم لأغراض غير إرهابية مثل استخدام غاز الكلور وبعض الأجهزة المنزلية، خصوصا تلك التي يمكن تجميعها أو نقلها في الأحياء السكنية أو المناطق الاقتصادية”.
ثانيا: على مستوى جرائم الإرهاب الفكري: شخصيا مع أهمية تسليط الضوء بشكل أكبر على جرائم الإرهاب الفكري في قانون الإرهاب العماني في حال تطويره خلال الفترة الزمنية القادمة، خصوصا تلك الجرائم المتعلقة بجرائم الترويج والتحبيذ لأن هذا النوع من جرائم الإرهاب دائما ما يكون السبب الأبرز لمختلف جرائم الإرهاب الأخرى، مع مراعاة تداخل هذا النوع من الجرائم مع الجرائم الإلكترونية، وبشكل أدق استعمال الأجهزة الحديثة بمختلف أشكالها في الترويج.
مع التنبيه إلى ضرورة تسليط الضوء على ما يطلق عليه بالترويج غير المباشر لجرائم الإرهاب كما فعل المشرع المصري في نص المادة (28) من قانون مكافحة الإرهاب المصري، أضف إلى ذلك إلقاء الضوء على قضايا التدريب الفكري والعقلي على ارتكاب جرائم الإرهاب.
ثالثا: على مستوى جرائم الإرهاب الإلكتروني: من ضمن ما يجب أن يتم التنبه إليه المشرع العماني في أي تحديث قادم لقانون مكافحة جرائم الإرهاب هي تلك الجرائم الإرهابية التي يمكن أن ترتكب من خلال استعمال النماذج أو هياكل أو تقنيات المحاكاة الإلكترونية والحاسوبية للمتفجرات والمفرقعات وغيرها من الأسلحة تنفيذا لغرض إرهابي كما فعل ذلك المشرع البحريني في قانون حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية.
كذلك أهمية تضمين قانون مكافحة الإرهاب العماني تلك الجرائم المتعلقة بجرائم الدعم والمساندة الإلكترونية والتكنولوجية كما فعل ذلك المشرع المغربي في نص المادة (3) من الفصل (6– 2018) من قانون مكافحة الإرهاب المغربي رقم (3/2003) وفق آخر التحديثات، مع التأكيد على أهمية تشديد عقوبة الإرهاب السيبراني أو الإلكتروني، وعلى رأس أشكال ذلك النوع من الجرائم الإلكترونية جريمة الاختراق الأمني أو الإلكتروني.
رابعا: على مستوى جرائم الإرهاب الاقتصادي: أما بخصوص ما يتعلق بالإرهاب الاقتصادي فمن الجيد تضمين عبارة “إلحاق الضرر بالاقتصاد الوطني” في سياق تعريف الجرائم الإرهابية، بالتالي ستشمل جرائم الإرهاب تلك الجرائم التي يمكن أن تمس الضرر بالاقتصاد الوطني أو الأمن الاقتصادي، كون المشرع العماني ركز في جانب الإرهاب الاقتصادي على تلك الجرائم التي تلحق الضرر بالأملاك والمرافق العامة.
بينما تعد مفردة الاقتصاد الوطني أشمل وأعم، ويمكن أن تشمل بذلك جرائم إرهابية حديثة كتفجير آبار النفط والغاز والكهرباء, أو مصادر المياه والمناطق الصناعية وغيرها مما يدخل في سياق الجرائم المضرة بالاقتصاد الوطني، وهي من الجرائم التي برزت بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وهنا أطرح السؤال التالي: هل يمكن أن تغطي جرائم إضرام النار عمدا في المناجم وآبار النفط ومستودعات الوقود ومحطات الطاقة والمياه، كما نص عليها المشرع العماني في المادة (13) من قانون مكافحة الإرهاب الجرائم السابقة؟ وكما هو معروف أن فعل (إضرام النار) يختلف عن فعل التفجير أو استخدام الطائرات بدون طيار أو الأعمال التي تدخل في سياق الجرائم الإلكترونية لتدمير الاقتصاد الوطني.
كما بات من المهم كذلك وفي سياق تطوير قانون مكافحة الإرهاب العماني أن يتضمن مجموعة من السياسات والتوجهات المتعلقة بالسياسات الوقائية التي تنطلق من احتواء جرائم الإرهاب الفكري أو السياسات التي يمكن اتخاذها قبل تحول فكرة الجريمة إلى واقع مادي، مرورا بتأهيل المجرم الإرهابي في المؤسسات الإصلاحية والعقابية، وليشمل ذلك المتابعة والرقابة بعد انقضاء مدة الحكم عليه وخروجه من السجن.
يضاف إلى ذلك ضرورة تسليط الضوء على ما يعرف بالعقوبات البديلة كما فعل المشرع البحريني من خلال قانون رقم (18) لسنة 2017 بشأن العقوبات والتدابير البديلة، وأخيرا الاهتمام بتلك السياسات طويلة المدى كما سبق تعريفها، ليكون هذا القانون من القوانين الشاملة لمختلف أشكال السياسات الجنائية المتعلقة بمكافحة جرائم الإرهاب.
أخيرا لا يجب أن نهمل أبدا أن يكون لقانون الإرهاب العماني الطابع الإنساني والحقوقي المميز والخاص به، فليس بالضرورة أن يكون قانون الإرهاب العماني نسخة ذهنية من قوانين ونصوصا دولية فاقدة لروح القانون وإنسانية النص والخصوصية الوطنية التشريعية، لذا أوصي بأهمية أن يتناسب أي تعديل مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبذلك سيكون أداة فعالة لتقبل دول العالم المتحضر التعاون في ملاحقة وتسليم المجرم الإرهابي الفار والكشف عنه, وبذلك تتكامل في هذا القانون السياسات الوقائية مع تلك العقابية والتجريمية وكذلك السياسات التأهيلية مع تلك السياسات طويلة المدى لمكافحة جرائم الإرهاب.

إلى الأعلى