الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م - ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / بيروت .. انهضي يا ست الدنيا

بيروت .. انهضي يا ست الدنيا

محمد عبد الصادق

فجعنا يوم الثلاثاء الماضي بمشهد الانفجارات المروعة التي غطت سماء بيروت ودمرت ميناءها العريق، وامتد تأثيرها إلى معظم أجزاء المدينة الجميلة، ليقتل 158ويصيب 6 آلاف وما زال العشرات مفقودين حتى الآن، تسبب الانفجار في ترك أكثر من 300 ألف بيروتي لمساكنهم، وأضرار وتلفيات لا حصر لها في الأبنية والممتلكات العامة والخاصة والبنية الأساسية في مدينة يقطنها قرابة 2 ونصف المليون نسمة يعيشون على 19 كيلومترا مربعا، وكان الميناء هو الرئة الاقتصادية الرئيسية للمدينة فعن طريقه تدخل 70% من واردات لبنان من الغذاء والدواء وكافة السلع في بلد يستورد معظم احتياجاته، وهرعت معظم دول العالم لنجدة بيروت مما أصابها ـ رغم انشغال معظمها بمكافحة جائحة كورونا ـ فحجم الدمار الذي خلفه الانفجار شبهه البعض بمأساة هيروشيما وناكازاكي وآخرون شبهوه بانفجارات برجي التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر 2001م.
سارعت معظم الدول العربية بتسيير جسور المساعدات إلى مطار بيروت، وتنحت الخلافات والسياسة جانبا بعد أن هزت المأساة الرأي العام العربي, التي تمثل له بيروت الكثير سواء لمن زارها، أو لم يزرها وشاهد معالمها على شاشات السينما أو من خلال محطات التلفاز، فلطالما كانت بيروت حلما جميلا، يسعى كل عربي لزيارتها والتمتع بسحرها.. هذه الواحة الصغيرة الخضراء وسط الصحراء العربية الواسعة، بطبيعتها الآسرة وهوائها العليل وجبالها الخضراء التي يكسوها الثلج شتاء ويظن من يزورها أنه في إحدى غابات أوروبا، ولكن يأتيه صوت فيروز محملا بكلمات الأخطل الصغير ولسان الدين الخطيب ليدرك أنه في مدينة عربية خالصة، وتشدو ماجدة الرومي بقصائد نزار قباني الذي تغزل في بيروت ووصفها بـ”ست الدنيا” وخاطبها قائلا: “لا يوجد قبلك شيء.. بعدك شيء .. مثلك شيء .. يا حقل اللؤلؤ.. يا ميناء العشق .. ويا طاووس الماء.. قومي من أجل الحب .. من أجل الشعراء.. قومي من أجل الخبز.. ومن أجل الفقراء…”
بيروت هذه المدينة المبدعة التي انطلقت منها مواكب التنوير في العصر الحديث لتضيء الأقطار العربية؛ تحمل مشاعل الثقافة والفن والمعرفة، فعلى أرضها امتزجت الحضارة الغربية منذ عصر النهضة في القرون الوسطى بالحضارة العربية الإسلامية وأنتجت حضارة متفردة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، فبيروت من أوائل المدن العربية التي عرفت الطباعة بفضل علاقاتها الوثيقة بالحواضر الأوروبية، فأنشئت المطبعة المارونية في العام 1610م على يد الرهبان المسيحيين، وكان أول كتاب يطبع فيها هو سفر المزامير باللغتين العربية والسريانية، وتوالى إنشاء المطابع في بيروت وانتقلت إلى طباعة العديد من كتب التراث واللغة والأدب العربي، وكان البيروتيون روادا لحرفة النشر في الوطن العربي، فمنها جاء الأخوان سليم وبشارة تقلا إلى الأسكندرية في العام 1875 م وأسسا جريدة الأهرام، وانتقلا بها في بداية القرن العشرين إلى القاهرة لتحافظ على مكانتها وسط الصحافة العربية حتى الآن وهي تحمل اسم مؤسسيها اللبنانيين الأخوين تقلا.
ومن بيروت سافر جورج زيدان المسيحي اللبناني إلى القاهرة وأسس مطبعة ومجلة الهلال في العام 1892م، ونشر فيها مؤلفاته القيمة عن التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية وعلم اللغة والأدب العربي، وكان نابغا في علوم اللغة والترجمة بفضل إجادته للإنجليزية والفرنسية والعبرية والسريانية، وما زالت دار الهلال بإصداراتها العريقة وأجيالها الصحفية المتعاقبة التي تتلمذت على يد مؤسسها البيروتي جورج زيدان مستمرة في الصدور حتى الآن.
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شهدت بيروت حالة من الازدهار الاقتصادي والاجتماعي، نتيجة الاستقرار السياسي والأمني الذي انعكس على كافة مناحي الحياة، فكانت بيروت عاصمة المال والأعمال في المنطقة العربية التي كانت تسيطر على أنظمة الحكم في كثير من دولها النزعة الاشتراكية, بما تحمله من رقابة على الأموال المودعة في البنوك بعد تأميمها وتقييد حرية انتقال رؤوس الأموال إلى الخارج، كانت بيروت هي الملاذ الآمن لرؤوس الأموال العربية التي تدفقت بالمليارات على البنوك اللبنانية، بفضل سرية الحسابات وعدم فرض قيود أو سقوف على التحويلات، بالإضافة لتدفقات السياحة العربية والأجنبية، ونمو قطاع الخدمات والتوكيلات الملاحية وفروع الشركات الأجنبية الذي انتعش في بيروت بعد نكسة 1967م التي ضربت القاهرة ودمشق وأصابتهما بالشلل، ولكن سرعان ما تبخرت كل هذه المكاسب مع ظهور شبح الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات والتي استمرت نيرانها مستعرة حتى العام 1990م، وخلفت دمارا كبيرا لبيروت والاقتصاد اللبناني وكرست الطائفية والمناطقية وما زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن، وكان آخرها الانفجار الأخير.

إلى الأعلى