السبت 26 سبتمبر 2020 م - ٨ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / كلام في الشِّعر والتلقِّي

كلام في الشِّعر والتلقِّي

علي عقلة عرسان

الشِّعْرُ حياة يجدّد فينا الرغبة في الحياة، والشعر حب ويدفعنا في تيار الحياة إلى مزيد من الحب، والشعر تجربة ورؤية ورسالة وحكمة ونضال وبذر للأمل، والشعر سيفٌ بتار، وزهرةٌ فواحة، وحلمٌ لذيذ، وألم قد يتجلى نغما.. إنه وهج الروح في تفاعل خلَّاق مع الطبيعة والكون، مع الصدق والحق، مع الحرية والخلق، واختمارٌ للمعاناة في قلب الإنسان وتعبير بديع عنها ببديع القول.. إنه خيال وتخييل ومجال للتبيان بالبيان في مدى الزمان والمكان. وإذا ملك سحرا فهو عُصارة المعاناة وثبج الرؤية في أوعية العذوبة.. أَمَّا إن تاه وانساح في خُلَّب اللفظ، وهجَر الصدق، واستحلبَ المال والشهرة، واستجدى بالكلمة ولمَّع بها الظلام والأصنام فقد استهان بفن الشعر وباللسان وبأصول البيان ورسالته.. عندها يكون قد خاب، وهان، وغاب عن ساحة التأثير والتغيير والتحرر والتحرير، وفقد القدرة على التعبير عَما في ضمير الخلق من توق إلى العدل والحق، وأصبح نوعا من شعوذة، تتلبَّس سحر البيان فتُبْلِسُه، و”إنَّ من البيان لسحرا”، وصار عبئا على الأدب والتأدب وعلى مَن يحسِن تلقيه الإبداع بفهم وذوق وشوق.
الشعر حياة، وربيع الروح في الحياة هو، يخضر بالأنفس وتخضر به الأنفس، ويمتد حقول عطاء وإمتاع وأقواس قزح.. ولكل شاعر مُجيد تجربة، واهتمام، ومشروع، وإبداع.. ويتنوع الشعر بتعدد الشعراء وبما يفيضون من إبداع، ويكاد يكون شجرة الكلام الراسخة الأقدم التي حَملت فنون القول وفقه الأمم، ولهذه الشجرة العملاقة فروع، ولكل فرع من فروعها ثمر بطعوم ونكهات وألوان، وكلٌّ يبعث في الأنفس نشوة ويحرك القلب والعقل والساعد والسيف، ولا يكاد يصف ذلك أو يفيه حقه ويحدد معالمه كلام.. فما يقوله الشاعر المبدع نفح روح نضجت، وتجربة اختمرت، ورؤية تجلَّت في صور وانثالت بديع بيان في بني الإنسان..
إنه مثل آدم وحواء ونسلهما “خطَّاء أواه أوّابٌ تواب” يكون في الجنة ويطغيه الشيطان فَيُخْرَجُ منها ومن ثم يعيش توقا ممتدا للعودة إليها، ومثل جلجامش ينشُد الخلود فيعود من ذلك بلا خفين، ومثل هوميروس يحمل قيثارة الحب والحرب والأسطورة وينشِد عبر القرون، ومثل امرئ القيس، ذي القروح، يَتأوَّه من “أَنْقَرة” ليزعزع سكون الرمل ويحرك رياح الثأر، وينفث هموم القلب في فضاء كِنْدَة وقد تَنَوَّرها كما تنوَّر حبيبته من أذرعات وهي بيثرب، وقد استبد به الداء، يقول من “أنْقَرة:
تَأَوَّبَني دَائي القَديمُ فَغَلَّسا
أُحاذِرُ أَن يَرتَدَّ دَائي فَأُنكَسا
وَبُدِّلتُ قَرحا دامِيا بَعدَ صِحَّةٍ
فَيا لَكِ مِن نُعمى تَحَوَّلنَ أَبؤُسا
فَلَو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ جَميعَةً
وَلَكِنَّها نَفسٌ تُساقِطُ أَنفُسا
فيا له من عالَم مِفتان عالم الشعر، يجعل مِن بعض الشعراء مرايا تعرض الأحداث والأشخاص والحالات والزلات، ويعرضنا في المرايا فنرى من أنفسنا ومما حولنا ما لا نرى، ويغمرنا فيما قد يكون وهما يشعل نار هم أو يعيِّشنا في الوهم، أو يجعلنا نُشرف على ذواتنا وعلى الحياة من بوابة الحب والأحلام، ثم يؤول مع الزمن إلى الحكمة، فعلَ زهير بن أبي سُلمى الذي أحب فقال:

تذكِّرني الأحلامُ ليلى، ومن تُطِفْ
عليه خيالاتُ الأحبة يَحْلُمِ
رأيت سفَاه الشيخِ لا حِلْمَ عنده
وإنَّ الفتى بعد السَّفَاهة يَحلُمِ

وبعد ذلك طاف في مجال الحكمة والاتعاظ:
ومن يجعل المعروف في غير أهله
يَعُدْ حمدُهُ ذَما عليه ويَنْدَمِ
ومن يغترب يحسَب عدوا صديقَهُ
ومن لا يكرِّم نفسَه لا يُكَرَّمِ
ومَن لا يزل يستَرحل الناسَ نفسه
ولا يُعْفِها يوما من الذلِّ يُسْأَمِ
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على الناس تُعْلَمِ
.. إنه فتاة بوشكين الرائعة الممشوقة القوام، تلك التي “تقف في الغَسَق، تحت سقيفة الباب، منكشفة الصدر والعنق، والزوبعة الثلجية في وجهها!!”.. أو هي رؤية جارسيا لوركا:
“على ضفاف النهر
توقَّف الليلُ العابرُ ليغتسل
وعلى … بيليزا
تذبلُ الزهور من غرامِها”.
إنه يرفع ويخفض وحسبك منذ لك أن ترى إلى ما كان من ذلك في النقائض بين الفرزدق وجرير بن عطية والأخطل، وهو يثير الحروب ويجدد الثارات ويدعو إلى المَكرمات ويشير إلى دروبها ويحث عليها، ودوره في ذلك كبير كما قال أبو تَمَّام الطائي:
ولولا خِلال سنَّها الشعر مادرى
بُغَاة النَّدى، من أين تُؤتى المكارمُ
ومنه ما يجيء في تعبير مدهش ومما تُشق له الأثواب، كما قيل في مجلس حضره أبو العَتاهية، ومنصورٌ النمري، قال فيه بكر بن النَّطّاح الحَنفي، عن الشعراء:
أرانا معشرَ الشعراء قوما
بألسُننا تنعَّمَت القلوبُ
إذا انبعثَت قرائحُنا أَتينا
بألفاظ تُشَقُّ لها الجُيوبُ
فقال أبو العَتاهية لمنصور، طَرِّفْنا بِمُلَحِكَ، فأَنشد:
تعلمتُ ألوانَ الرِّضا خوفَ عَتْبهِ
وعلَّمه حُبي له كيف يغضَبُ
ولي غير وجهٍ قد عرفتُ مكانَه
ولكن بلا قلبٍ إلى أين أذهبُ
فقال أبو العَتاهية: الجيوب من هذا الشعر على خطر.
ومن الشعر والشعراء من يعيد إليك صوت الصحراء بصفاء، ويسقيك زلال الماء على ظَمأ، ومن يذكِّرك بغزل الجاهليين، وببساطة البدائية، ومن ينقلك إلى حضن الطبيعة ويجعلك تأنس إلى الينابيع تنساب في الجداول، وإلى الغابة والطير حيث تدغدغ قلبك الخضرة.
ولا يعدم عالم الشعر من همُّه الإدهاش بالعبارة والصورة، ومن يدخلك جحيما أو يغريك بالنعيم.. ولغنى هذا العالم وتعدد فنونه وطغيان فتنته وفتونه تجد قوافل من الخلق ينمون أنفسهم إليه، ومن بين أولئك مَن يركُلك بقدم صناعية تغيِّبك عن “الماهية البشرية”، ومن يحدو لك بالحداثة وما بعد الحداثة، ومن يلقِّنك درسا قاسيا لقصورك عن فهم ما لا يُفهم، ورفضك ما لا يُقبَل ولا يُهضم فيكيل لك تهما شتى إذا لم تأخذك الحماسة لشعره ونثره المستشعر، ولأن فهمك “للشعر” لم يتبدل وفق ما قدَّمه وادعاه من “جميل المقال وجليله”.. وكثيرون بين خلق الله مَن يشُدُّون حبالهم إلى خيمة الشعر أو يشدون خيمة الشعر إلى حبالهم، حتى لو قالوا نثرا جميلا يضاهي فنه فن الشعر أو يطاول، ذلك لأن عرش الشعر يفتنهم ويفضَّلون أن يسمَّوا شعراء.. وهناك من يرفض الشعر كلَّه إلَّا نثرَه الذي يحتل أرض الشعر بأنواع من القوة.
إن بين الشعراء مَن للحب في أدائهم عرزال ودفء وتوق للحنان يتغنى به المغنون والمغنيات، وبينهم من يحرك الأجساد بالموَّال، ومن يتعلّق بالقمر والحلم والوهم ويعلِّقك بما تعلق به.. وبينهم مَن للغضب الوطني والقومي في أدائهم شؤون وشجون وجذور تضرب في عمق الأنفس وتأبى اقتلاعا، وتحركها في المناسبات والطارئات من الحوادث.. وبينهم من له أحلام وحكمة وآمال وبقايا يقين، ويرفض تهافتا واتِّباعا وتآكلا وهزيمة وضياعا.. ومَن عنده لتقليد البؤس وبؤس التقليد شغف ونوع من حضور وخبب في المواكب، مما يشي بما وصلت إليه ثقافة ما من تبعية وهزال ومَحْل واضمحلال.. وبين الشعراء مَن سجل الحِكَم والبطولات، ومَن عَظَّم الطغيان ومجد الطغاة، ومن عَبَد الطاغوت والمال، ومَن يجيد النواح مخلفا وراءه النائحات المحترفات في العصر الجاهلي..
ولا يجوز أن نغفل في هذا المجال ما كتبه شعراء مالأوا الاستعمار وناصروه وسكتوا على جرائمه ضد أوطانهم وشعوبهم، وشعراء كانت تتبناهم أجهزة أجنبية وتحثهم على التخريب الثقافي وغيره، وكانت تموِّل مجلاتهم الشعرية ومنشوراتهم ـ باعترافهم الصراح ـ وتنفخهم قامات في أثناء الحرب الباردة التي دامت سنوات وسنوات بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي في النصف الثاني من القرن العشرين.. ومنهم مَن كُلِّف بهدم بنيان الشعر العربي وسلامة اللغة العربية وارتضى أن يكون عصا غيظة تُضرَب بها رؤوس، ومنهم مَن كانت تغريه وتستقطبه العالمية وجوائزها فيخوض في الإرضاء والإزراء إلى الآباط، ويبقى محاطا باهتمام الإعلام، يغري ويرغي ويخيف السنونو الذي يبشر بالربيع.
وفي عالم الشعر الحق تبقى لكل شاعر هويته وتجربته ومكانته، ويبقى له أسلوبه، وخياره، ودوره، وما شاءه.. ويبقى غِربال الزمن دوَّارا لا تكل الأيدي التي تحركه على مدار الأيام.
لكن المبدع الحق نسرٌ يعيش عمرَ نسرين ووريدُه نبضٌ لا يكل، والشعر البديع لا تقاس حياته بسنوات عادية كما تقاس حياة الناس بل بقرون وقرون.. حيث هو شموس الأرواح، وقُصوف الرؤى، والحبال السُّرية التي تنشلك من قعر الجُب وتقيمك في المتعة والحب، أو قد تحيلك عصفا مأكولا يتعفّن في جنبات الظل إن لم يكن يتردَّدُ فيك تيار الأمل ونور القلب والعقل وتهب في جوانحك نيران التوق فتجعل الدنيا زهوا بعينيك وتجعلها تزهو بك. الشعر جناح خفاق وصوت صداحٌ وشيءٌ من سر الروح يخفق بين قلب وقلب، عقل وعقل، وفيه من سر العيش ما يفضي إلى سر التراب، حين يحين الإياب ثم الغيبوبة والغياب، إنه فيض من فيض بديع السماوات والأرض على من يصدق ويعرف وينتمي ويحب الحياة والناس.. إنه بعض فيضَ البيان عبر اللسان بالعبارة المموسَقة واللون والصورة، إنه عينَ الرؤية، وبعض جمال الحياة.. هذا إن كانت العبارة مضيئة شفافة ومعبرة وصقيلة، وكانت الأنفس جميلة، ليست متشائمة ولا عليلة، مصداق قول الشاعر المَهجري إيليا أبي ماضي:
أيها الشاكي وما بك داءٌ كيف تغدو إذا غدوتَ عليلا
أيها الشاكي وما بك داءٌ كن جميلا ترَ الوجود جميلا

إلى الأعلى