السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / الفرصة …… لما بعد توحيد الرواتب !!
الفرصة …… لما بعد توحيد الرواتب !!

الفرصة …… لما بعد توحيد الرواتب !!

ما فتئ جلالة السلطان قابوس المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ يعمل بشكل دؤوب على تطوير وتحديث القطاع الحكومي باعتباره الأداة المنفذة لعجلة التنمية الشاملة والمستمرة ومصدرا لتقديم الخدمات للمواطن. ومما لا شك فيه أن الأوامر السامية بتوحيد رواتب القطاع المدني وتوحيد استحقاقات ما بعد الخدمة، جعلت كل من الموظف والجهاز الحكومي بالقطاع المدني امام تحديات ومسؤوليات لتأسيس مرحلة جديدة من العمل الإداري، حيث من المؤمل ان تفضي هذه الزيادات الى زيادة الولاء والرضا الوظيفي ورفع معدلات الاداء والالتزام بأداء الواجبات الوظيفية، إلا ان كل ذلك لن يتأتى ان ظلت بعض العوامل والممارسات الإدارية الحالية على حالها، ولعل توصيات ندوة (آليات تطوير الاداء الحكومي) التي عقدت في مسقط خلال الفترة من 15- 18 سبتمبر 2012م دفعت باتجاه تحقيق مسألة توحيد الرواتب كمنطلق هام لمعالجة الكثير من المعوقات التي يعاني منها هذا القطاع، الا ان الطريق مازال طويلا لتحقيق الكثير من التوصيات الهامة لتلك الندوة منها: التحول نحو اللامركزية الإدارية، واعادة دراسة الهيكل التنظيمي للجهاز الإداري للدولة، وتطوير إدارات الموارد البشرية، وتسريع الجهود المبذولة لتطبيق الاستراتيجية الوطنية لمجتمع عمان الرقمي وتطبيقات الحكومة الالكترونية.
بات لا يخفى على أحد التحديات التي تؤرق هذا القطاع وهي بالمناسبة ليست قاصرة على الجهاز المدني الحكومي في السلطنة، بل أصبحت صفة ملازمة لكافة القطاعات الحكومية المدنية في الوطن العربي، ومنها ما جاءت به دراسة حديثة صادمة، حيث تشير الى ان انتاج الموظف العربي في القطاع الحكومي لا يتجاوز في افضل حالاته من ساعة الى ساعتين في اليوم الواحد، بينما ذهبت دراسة اخرى متفائلة تم نشرها مؤخرا في إحدى الدول المجاورة الى نتيجة مفادها ان انتاج الموظف في تلك الدولة يصل الى ثلاث ساعات فقط في اليوم الواحد ، وان الإنجاز الفعلي للعمل لا يزيد عن 20-25% ، وفي ذات السياق فإن الوقت المفقود غالبا ما يذهب الى (الوصول متأخرا عن العمل، تهيئة الموظف للعمل، الإفطار، المحادثات والمكالمات الجانبية، صلاة الظهر، الانصراف قبل نهاية الدوام).
يمكننا القول إن القطاع المدني بالجهاز الحكومي في السلطنة قد ورث بعض الممارسات القديمة على مدار السنوات الماضية، لا تتفق ومتطلبات التحديث والتطوير الإداري ولا تتفق واهداف زيادة معدلات الاداء، وبالرغم من المحاولات لبث اساليب ووسائل جديدة في العمل إلا ان كل ذلك لم يغير في الواقع الشيء الكثير، وخاصة مع زيادة عدد الموظفين خلال الثلاث سنوات الأخيرة وعدم قدرة تلك الوحدات استيعاب هؤلاء في حيز العمل، حيث اصبح بعضهم خارج التغطية والمتابعة من قبل الرؤساء المباشرين. فحضور الموظف لسد الفراغ ليس غاية في حد ذاتها بقدر ما هو وسيلة لأداء العمل وزيادة الإنتاجية.
ويمكن تلخيص أهم ثلاثة محاور رئيسية لمعالجة اهم المعوقات والمشكلات التنظيمية التي تعتري قطاع الخدمة المدنية وهى :
اولا: نظام تقويم الاداء الوظيفي الحالي:
فبالرغم من إدخال بعض التحسينات على نظام تقويم الاداء الوظيفي الحالي عام 2010م ، إلا أن جوهر العملية التقويمية ظل على حاله ولم تحقق الاهداف المبتغاة من التقويم، فنظام تقويم الاداء الوظيفي الحالي يستخدم طريقة السمات او طريقة تقويم البياني Graphic rating scale ، وهذه الطريقة الاكثر شيوعا في تقييم موظفي الخدمة المدنية في الدول العربية … لسهولة استخدامها، وبالرغم من انتشار هذه الطريقة ألا ان لها العديد من السلبيات لتداخل مجموعة من العوامل في عملية التقويم اهمها التقدير الشخصي والتحيز وعدم الموضوعية، بالتالي يصعب على المقيم تقويم الاداء بعدالة وموضوعية. وعليه ظلت اهداف هذه الطريقة محصورة بشكل رئيسي في منح العلاوات الاستثنائية والترقية بينما اهداف التقويم لها ابعاد ومجالات اخرى أكثر اهمية.
وربما حان الوقت لتجربة انواع اخرى من نظم التقويم اكثر كفاءة واكثر مصداقية لقياس انتاجية الموظف من احدثها على الاطلاق منها:
نظام التقويم المعروف بمؤشرات الأداء Key Performance Indicators ( KPI) طريقة الإدارة بالأهدافManagement by Objectives
ثانيا: ربط الاحتياجات التدريبية بالمسار الوظيفي:
لعل الكثير من الإدارات الحكومية في السلطنة لم تدرك الاهمية التي تنطوي عليها عملية التخطيط للاحتياجات التدريبية وتنفيذها وربطها بالمسارات الوظيفية للموظف، وربما يعزى الامر لعدم وجود متخصصين في إدارات الموارد البشرية او عدم قدرة تلك الوحدات في تحديد الأصلح للموظف وفرض ذلك، كما تكمن المشكلة في عدم القدرة على التميز بين الاحتياجات التدريبية Needs وبين الرغبات التدريبيةWants ، فقد يرغب مدير ما في الحاق احد الموظفين في برنامج معين لا يحقق الاحتياجات التدريبية وانما من باب ارضاء ذلك الموظف، وهذه الحالات منتشرة في إداراتنا ولا يمكن تجاهلها.
ثالثا: تبني استخدام تكنولوجيا المعلومات في الاعمال الإدارية:
من الامور التي ما زالت محيره قيام بعض الوحدات الحكومية بتبني استخدام تكنولوجيا المعلومات على نطاق واسع في عملياتها الإدارية وعمليات تقديم الخدمات للمواطن، بينما وحدات اخرى ما زالت متباطئة في تبني الوسائل التكنولوجية في اعمالها، كأن الامر اجتهادا، فلا بد من تنفيذ خطة وطنية إلزامية لكافة الوحدات، محددة وفق جدول زمني، للتحول نحو اداء الاعمال الإدارية تكنولوجيا والتحول نحو تقديم الخدمات للمواطن الكترونيا او عبر شبكات الانترنت بما يتفق وتوجه الحكومة الالكترونية، وعوضا عن اختصار الوقت والجهد، وتوفير الجودة والكلفة، فإن تبني هذه الوسائل يوفر تغذية راجعة عن اداء العاملين لدى هذه الوحدات وحجم العمل الذي تم انجازه بالتالي يمكن تقييمه ومكافأته، اضافة الى سهولة التخطيط والرقابة على الاداء المؤسسي.
أن صياغة قانون الخدمة المدنية الجديد والمزمع الانتهاء منه شهر يوليو القادم 2014م يمكن النظر اليه باعتباره فرصة حقيقة للارتقاء بمستويات الاداء والخدمة معا بالتالي يجب ان يراعى فيه الكثير من الامور بخلاف اشراك مختلف الوحدات في صياغة القانون لتأمين التوافق والفهم الواضح في التنفيذ وتجنب المشكلات التي وقع فيها القانون الحالي منها معضلة الدرجة الخامسة ” سابقا “، كما يجب الاخذ في الحسبان تبني الاساليب الحديثة في الإدارة مثل نظام عادل للحوافز ونظام إدارة الاداء وتبني نظام التقييم القائم على الثواب والعقاب وربط المكافآت مع قيمة الاداء المنجز، والاهتمام بالإبداع والتحسين المستمر من خلال تنمية فرق العمل لحل المشكلات، كما يجب التنبه الى اهمية تعزيز الرقابة الداخلية للموظف والاشتغال على اضفاء ثقافة تنظيمية جديدة داخل هذه الوحدات من اجل تحقيق معدلات ايجابية من الولاء والرضا الوظيفي ، فلم يعد يجدي نفعا استخدام نمط واحد في الإدارة يكون صالحا لمدة طويلة من الزمن، وهذا ما اكدته الدراسات الحديثة وبالتالي الفرصة اصبحت مواتية للتخلي عن الممارسات التقليدية في الإدارة اذا ما اريد لهذا القطاع ان يتطور ويحقق معدلات عالية من الاداء.

خالد بن عبدالله العبري
باحث في شؤون الإدارة العامة
alabri.2020@hotmail.com

إلى الأعلى