الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م - ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / المصلحة

المصلحة

د. أحمد مصطفى أحمد:
من الكلمات التي تكاد تكون انتهكت استعمالا في عالمنا المعاصر كلمة “المصلحة”، ليس لدلالاتها المتعددة في لغتنا العربية الجميلة قياسا على اللغات الأخرى فحسب، وإنما لما يشهده العالم وحياة البشر من تغيرات متسارعة منذ نهاية القرن الماضي. ومع أن أصل الكلمة في اللغة واضح جلي، بمعنى “صلح” أي نفع وأفاد لكن سياقات استخدامها مع تطورات علاقات البشر وسلوكهم في العقود الأخيرة جعلت دلالة كلمة “المصلحة” تتجاوز ما هو جيد بالضرورة. وقبل أن نعرض لذلك في لغتنا وأنماط سلوكياتنا التي يعبر عنها تغيير دلالة الكلمة نشير إلى أننا لسنا منفصلين عن العالم، وأن ذلك حدث بقدر أو بآخر في لغات أخرى وبين جماعات بشرية مختلفة. ولنأخذ على سبيل المثال اللغة الإنجليزية، التي تعد أكثر لغات البشر انتشارا.
الكلمة بالإنجليزية محدودة المعنى، وأصلها أيضا مشابه لما في العربية فهي تعني “ما يهم” وتستخدم في التعاملات المالية بمعنى “الفائدة” Interest كما تستخدم في لغة التواصل الشائعة بذات المعنى، أي المصلحة وأيضا بمعنى الاهتمام بالأمر والتطلع إليه. ولأن أغلب اللغات الأخرى أقل في مفرداتها من العربية عامة تكون دلالات تلك المفردات متعددة في أحيان كثيرة، لكنها مع هذه المفردة في الإنجليزية على الأقل محددة وليست واسعة. لذا، غالبا ما تضاف إلى غيرها حين يريد البشر إيصال معنى مختلف في تواصلهم اليومي وفي صياغة إطار لنشاطهم الإنساني. لذا، لا تجد الكلمة في الإنجليزية تغيرت كثيرا في العقود الأخيرة، رغم التطور المستمر والسريع في حياة البشر وتعقيد نشاطاتهم. فتلك اللغات تشتق وتضيف كلمات جديدة كل فترة لمواكبة تطور الحياة وبالتالي التواصل البشري. ومع أن لغتنا العربية لغة حية أيضا مثل بقية اللغات الحية الأخرى، بمعنى أنها تنمو وتتطور وتتكيف مع متطلبات التواصل الإنساني، إنما روافدها الغنية من التعبيرات والمفردات تجعل الاشتقاقات والابتكارات اللغوية فيها أقل.
ولدينا في اللغة العربية الإضافة كي نوصل معاني مختلفة، إنما تظل دلالة المصلحة كما هي. كالفارق مثلا بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة والمصلحة الفئوية .. إلى آخره. هذا المعنى الواسع الفضفاض أحيانا يكون أكثر تحديدا حين تصف الكلمة إدارة أو مؤسسة، خصوصا في هيكل الدولة أو تنظيم أي جماعة بشرية، مثلما نقول “مصلحة البريد” أي تلك الإدارة بكل مكوناتها التي “تهتم” بتوصيل الرسائل والطرود وغيرها بين الناس. وإن كانت تلك التسمية التي بدأت في مجتمعات راسخة في منطقتنا العربية تراجع استخدامها الآن لصالح تسميات تعد “أكثر عصرية”، لكنها تحمل ذات الدلالة والمعنى التقليدي القديم للكلمة. ولعل لغة الدراما المصرية في العقود الأخيرة، وضمن تحويرها لألفاظ وكلمات لتحمل معاني ودلالات لا علاقة لها بأصلها اللغوي المعروف لدى عامة الناس، كانت الأكثر إسهاما في الانتهاك. ففي الأفلام والمسلسلات أصبح لفظ “مصلحة” يعني إما نقود الرشوة مثلا أو مادة صفقات المخدرات أو أي شيء مماثل. مع ذلك، يظل الأصل في معنى الكلمة كما هو تقريبا: المنفعة والشيء المهم.
ما حدث لتلك الكلمة مؤخرا هو أنها لم يشتق لها بديل في لغتنا العربية ليعكس تطورات كثيرة في حياتنا وعلاقاتنا، فجاء انتهاك استخدامها من وضعها في غير موضعها حتى ماعت دلالتها وأصبحت مثيرة للضبابية وعدم وضوح الفهم وبالتالي التواصل بين الناس. ولتبسيط الأمر، لم يعد ما نقصده بكلمة “المصلحة”، خاصة أو عامة أو فئوية، يعني ما هو صالح للفرد والجماعة بالضرورة ولا حتى (بمعنى الكلمة بالإنجليزية) ما هو مهم لصلاح أمر الإنسان فردا كان أو مجموعة بشرية تتشارك “المصالح”. ليس القصد هنا هو تقييم ما هو “صالح” أو مفيد أو مهم، وإنما صارت “المصلحة” تصل أحيانا إلى عكس معناها، كالانتهازية التي تضر بالجماعة والفرد حتى من حيث يحسبها نفعا، ذلك لأن الغرض من الصلاح هو للمرء ومحيطه وبيئته وحتى عالمه الأقرب والأوسع. وينطبق ذلك على تنويعات الكلمة أيضا على كافة المستويات، كالإصلاح الذي يعني في الاقتصاد ما يراه من يطبق عليهم ضررا وليس نفعا وفي الإدارة الذي يشعر البعض بسلبيته ولا يرى الإيجابية في “المصلحة” النهائية من ورائه. كل ذلك يحتاج إلى ضبط في المصطلح قبل صياغة رسالة التواصل، بين الناس وبعضهم وبين السلطات ورعاياها وبين الأعمال ومن يعملون فيها أو يتعاملون معها…إلخ.
ربما يكون من المصلحة، اللغوية والحياتية، أن يعكف خبراء اللغة ودارسوها على اشتقاق كلمات جديدة تعكس تطور حياتنا وتسهل التواصل بين الناطقين بلغة الضاد بما ييسر الفهم وتحقيق الغايات. على أن يكون الإعلام ومجالات الإبداع بالكلمة وسيلة نشر تلك الاشتقاقات حتى ترسخ في الوعي العام. كما أن مناهجنا التعليمية، خصوصا في سنوات الدراسة الأولى المبكرة، تحتاج لتطوير دائم ومستمر للحفاظ على لغتنا الجميلة حية تنمو وتتطور. فلا يصح أن يقوم غيرنا بإحياء لغات جمدت وماتت ويطورونها كوسيلة تواصل بينما لغتنا الغنية التي تملك كل مقومات الحيوية والتطور تذبل وتضمحل. فلنصلح لغتنا قبل أن تفقد المصلحة معناها وتتحول إلى عكسها.

إلى الأعلى