الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م - ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الرسالة
الرسالة

الرسالة

جودة مرسي:
نشرت الصحف الإلكترونية خبر بيع مجموعة “باور ميديا أستراليا” الإعلامية إلى صندوق استثمار خاص مقابل 40 مليون دولار في إبريل الماضي، وتوقف ثماني مجلات (هي الأشهر) عن الصدور، بسبب التداعيات المالية لأزمة فيروس كورونا المستجد، والمجلات التي توقف صدورها هي Bazaar وElle وInStyle وMen’s Health وWomen’s Health و Good Health وNW وok، وأسفر هذا الإجراء عن إنهاء عمل ما لا يقل عن 240 عاملا كانوا يعملون لدى الشركة منذ أن ضرب الوباء أستراليا في إبريل الماضي، وعلل الرئيس التنفيذي تدهور الأوضاع بقوله “إنه لم يكن بوسع أحد أن يتوقع التأثير السريع والواسع النطاق والمستمر للوباء”، بحسب بيان له.
وكانت “باور” قد علّقت سبعا من المجلات بالفعل، في مايو، بعد أيام من شراء “باسيفيك ماجازينس” مقابل 40 مليون دولار. وتم طرد 40 موظفا إضافيا بجانب 140 تم تسريحهم، في إبريل الماضي، و60 تم التخلي عنهم بعد شراء “باور” لمجلات المحيط الهادي، ما أدى إلى فقدان 240 وظيفة لا تشمل المستقلين والمساهمين.
ليست مجموعة “باور ميديا استراليا” هي الأولى التي تتوقف عن إصدار مطبوعاتها بل سبقها الكثير من المطبوعات العالمية والعربية وأشهرها إقليميا السفير اللبنانية، ودار الصياد اللبنانية المالكة لصحيفة الأنوار وعدد من المجلات الفنية والمنوعة والتي تأسست العام 1959، بسبب ضعف التمويل ومشاكل مالية تفوق قدرات المطبوعات، على التماهي مع مصاريف الإصدارات التي تزداد بشكل يومي، وترفع من سقف المصروفات لتفوق الإيرادات، مما يؤثر بشكل مباشر على صناعة الإعلام بشكل عام والمطبوعات بشكل خاص.
أجد الأحداث تدفعني إلى الحديث مرة أخرى عن ضرورة إيجاد سبل جديدة للدعم الذي يسهم في تعويض بعض تكاليف الصحف الورقية لكي تستمر في تأدية رسالتها الوطنية والشفيع الأول لوجودها، لأنها أهم أدوات التواصل المجتمعي القادرة على ملامسة العقل والعاطفة واستقبال المؤثرات بهدوء ورزينة، فرغم التطور التقني واقتحام الذكاء الاصطناعي مجال الإعلام، إلا أنه ظل عاجزا أمام فهم الرسالة الإعلامية التي تؤديها الصحافة الورقية، وتجمد استيعابه عن إدراك أبعادها، فمنذ عام تم نشر أول خبر صحفي مكتوب بواسطة الذكاء الاصطناعي باستخدام تطبيق توليد النصوص الذكي GPT2 (حجمه 40 جيجا بايت ويضم مليار ونصف متغير برمجي) ويمتاز بقدرته على التعلم والتطور، وكانت المحصلة إنتاج خبر مزيف، وعبرت الشركة المنتجة له عن مخاوفها من قدرته على تزييف الأخبار وإنتاج محتوى مضلل.
تبقى الصحافة أهم مظاهر الحضارة البشرية الحديثة، ومن معالمها الصلبة التي تتحطم عليها محاولات التزييف بداعي التحضر، والآلة القادرة على شحذ الهمم وتهيئة المجتمع للتعاطي مع خططه المستقبلية، فضلا عن دورها الوثائقي الذي سيظل باقيا حتى بعد آلاف السنين، فكما تعتبر الأحجار والجدران والمنحوتات وثائق لعصور الحياة الأولى، فإن الصحافة الورقية هي المستندات الوثائقية التي تؤرخ لفتراتنا الحالية، وتحكي لأجيال المستقبل قصتنا في بناء المجد وتشييد العزة، كما كانت ـ وستظل ـ شاهدة على النهضة العمانية المباركة، كما تعرض مشكلات المجتمع، وتطرح المقترحات والحلول، وتضع المواطن أمام مسؤولياته في التلاحم مع حكومته لتنفيذ تطلعات المستقبل.
برغم دورها المحوري تبقى الصحافة الورقية في إشكاليات صراع البقاء، فما بين معركة تكسير العظام مع الذكاء الاصطناعي لإثبات الوجود، تخرج صامدة ولكن عظامها واهية، لتجد معركة أخرى وهي “التمويل” الذي يدب الحياة في شرايينها. الصحافة ما زالت صامدة في مقارعة الذكاء الاصطناعي، وتقاوم معضلات التمويل ببسالة، والصحف العريقة تمسك بعروة رسالتها، وهو ما يستدعي التدخل “المبكر” للمحافظة على أداء الرسالة الوطنية قبل فوات الأوان، كونه الرمق الأخير لدعم بصيرة المجتمع، وإذا كانت جائحة كورونا وفيروسها عجل بتفاقم المشكلة، فإنه من المعروف أن شكاوى الصحف اليومية الورقية كانت سابقة للفيروس بفترة كبيرة، وتوقفاتها عن الصدور مؤرخة قبل تفشي الوباء العالمي.

إلى الأعلى