الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 م - ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / مَنْ أبقى القنبلة العائمة تحت إبط بيروت؟

مَنْ أبقى القنبلة العائمة تحت إبط بيروت؟

عادل سعد

طويلةٌ جدا قائمة المخلفات التي تستحضرها آفة الإهمال، مخلفات قد تكون أضرارا بسيطةً، أو تسحق أشياء تفرض اهتماما خاصا ينبغي أن لا تفلت منه، لكن الإهمال يستلّها عنوةً ليزاملها وتكون لديه الأسبقية في سلطة النفوذ عليها فتضمر، أو تنفجر، أو تسلّك حالها بينما تكون بأشد الحاجة إلى الانتباه والفطنة.
السؤال هنا: من يضرب على العقول ليملك هذا الوحش فرص التسلل الناعم إلى الإرادات؟ وكيف يتحكم بالمواقف بعيدا عن الأولويات؟
تجد آفة الإهمال تتجول في الذاكرة البشرية، تسرح وتمرح بدون أي حدود، وأحيانا أخرى يكون حضوره تحت ضغط العجلة أو الانشغال أو يغتنم حالة مفاجئة فيضرب ضربته الموجعة بنزعة لا مبالاة ضمن تبريرات عديدة، ليكن ما يكن، ثم تبدأ الأعذار صولاتها المعروفة تحت خيمة النسيان، وسبحان من لا ينسى، هكذا يقال لتسويق النتائج الضارة المؤلمة في أغلب الأحيان، حتى لكأن البعض بحاجة إلى حلقات تدريبية في كيفية تحصين الأنفس منه.
هناك شواهد يومية هائلة، ولك أن تتصور المزيد من النتائج الكارثية ممكنة الحصول لو أن ربة منزل ذهبت إلى فراشها ليلا من دون أن تلقي نظرة على الطباخ وكان مشتعلا، وما هي النتائج الكارثية لو أن قائد طائرة محملة بالركاب أقلع بها قبل أن يقوم بفحص كل مستلزمات الإقلاع الآمن؟ وكيف لا تكون النتائج كارثية لو أن قبطان سفينة أتاح أن يركب فيها أكثر من العدد اللازم الذي يتوازن مع حجم استيعابها، أو أن أبا وضع سلاحه الشخصي أمام طفله ليلعب به لتعليمه شجاعة التعرف على هذه الآلة والنتيجة المحتملة الذهاب إلى زناد الإطلاق؟
أنا هنا أتحدث عن شواهد عراقية أنتجت حرائق وضحايا بشرية وتدمير ممتلكات، وضياع فرص عمل وتصنيع عاهات، وفقدان أحبة، ورغم أنني لا أملك إحصاءات عن كل الكوارث التي تحصل في العراق نتيجة سيطرة الإهمال.
إن العينة العربية الطازجة التي تستحق الفحص ما أصاب بيروت في الانفجار المروع الذي ضربها يوم الرابع من الشهر الجاري، في كل المخاطبات واللقاءات بشأن حمولة نترات الأمونيوم للسفينة الراسية في المرفأ كانت هناك تحذيرات من خطورة تلك الحمولة على سلامة المدينة.
على مدى السنوات من 2014 إلى يوم 3 -8-2020 لم تختفِ تلك التحذيرات إلى حد أن بعض المراسلات وصفت الشحنة بالقنبلة العائمة، لم يتخذ أحد المسؤولين المعنيين قرارا احترازيا في إبعادها جزئيا من الشاطئ لتقليل احتمالات الكارثة.
لقد كانت التحذيرات بسقوف عالية عموما، لكن الغريب أنها تتوقف عند حاجز إداري أو سياسي أو بكلا الحالين ويعاد تكرار المشهد بينما يتضخم حجم التعاطي بالصغائر، وفق المعلومات، بعض الإداريين استكثروا حلولا آنية رافضين جر السفينة إلى عرض المياه بذريعة أن عليها رسوم رسو ولا يجوز تحريكها من موقعها مع أن جرّها كان يمكن أن يقلل أحجام الأضرار لأن فضاء البحر يمتص صدمة الانفجار وهذه إجراءات دأبت عليها إدارات موانئ أو هيئات على الإرض.
الأسئلة الجوهرية: كيف غفل مسؤولون معنيون عن هذه الأولويات في بلد يعيش منذ سنوات طويلة على صفيح ساخن إلى حد الغليان في أغلب الأحيان؟ ولماذا لم يكن هذا الموضوع على رأس أولويات المعنيين بالسلامة العامة والبلد يتعكز على فرن من التوقعات التهديدية الكاسحة على حد تعبير خبير أوروبي؟ وأي شيء أسبق من المعالجة التحسبية وسط رهان انتظارات يحكمها الإلحاح على خلط الأوراق لكي لا يلتقط البلد أنفاسه، بل هناك من يريده أن يبقى على الحافة في وضعين إقليمي ودولي يموران بالعديد من فرص كسر الإرادات.
يا لمصيبة القرار الذي يحسب على ضرورة استحصال الرسوم المالية من تلك القنبلة العائمة في الوقت الذي كان ينبغي أن تستثمر فيه كل الجهود لتلافي الأخطار التي ينبغي أن تكون فوق طاولة التداول على مدار الساعة.
لقد تربع الإهمال حضورا على مكاتب سياسيين ومسؤولي المرفأ والجمارك وإداريين وأمنيين وأصحاب قرارات قضائية في إبقاء السفينة تحت إبط بيروت.
مفردات الجريمة واحدة، إن كان الانفجار حادثا عرضيا أو مدبرا، فالشاخص، التحسب فرض غيابه.

إلى الأعلى