الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإعلام والانترنت

الإعلام والانترنت

”في السنوات الأخيرة، تصاعد الحديث عن “الصحفي المواطن” أي أن كل من لديه فرصة وصول للإنترنت يمكنه أن يبث أخبارا باعتبار أن الانترنت فضاء مفتوح ليس به القيود التي تخضع لها وسائل الإعلام التقليدية. وتحمس كثيرون لجعل الانترنت مصدر أخبار ومعلومات لأنها لا تخضع لضغوط السلطات الشمولية التي تقيد “حرية الرأي”.”
ــــــــــــــــــــــــ
عندما اتسع نطاق الاتصالات الدولية عبر أجهزة الحاسوب عن طريق “الشبكة العنكبوتية العالمية” أو “وورلد وايد ويب” في الربع الأخير من القرن الماضي برزت أصوات تتوقع نهاية الإعلام التقليدي وكل أشكال النشر والبث الأخرى التي تعد المصدر الرئيسي للمعلومات. وكان أول من تضرر من الانتشار الواسع للإنترنت وتطور محركات البحث، من فيستا وياهو وغيرها حتى وصلنا إلى المحرك العملاق جوجل، هو التعليم. ثم انطلقت مواقع التواصل الاجتماعي واتسع نطاقها في السنوات العشر الأخيرة حتى أصبح كثيرون يعتمدون على تلك المواقع في متابعة الخبار وتحصيل المعلومات. ولم يقتصر التأثير على التعليم والإعلام، بل طال كل ما له علاقة بالمعلومات حتى أجهزة الاستخبارات والأمن. ولعل الجميع يذكر فضيحة “الدوسيه” حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، الذي كذب به رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير على مجلس العموم متفاخرا بأن المخابرات المصرية أسهمت في إعداده، واتضح بعد ذلك انه عبارة عن معلومات قديمة منقولة من الإنترنت. أما التعليم والبحث العلمي، فقد بدأ التأثر من مراحل الأكاديمية العليا إلى مراحل التعليم الأولي والابتدائي.
وكما استفادت كل تلك القطاعات وغيرها، خاصة قطاعات الأعمال، من امكانيات الاتصال الهائلة والفائقة السرعة التي وفرتها الانترنت استفاد الإعلام كذلك من وسيلة الاتصال تلك بدرجة كبيرة، لكن المخاطر زادت مع اتساع نطاق التواصل عبر هذه القناة الجديدة المفتوحة. أول الضرر كان، كما حدث مع التعليم وغيره، هو الاستسهال من قبل الصحفيين في البحث والتقصي والتدقيق بالرجوع إلى مواقع غير موثوقة أو الموسوعة المفتوحة “ويكيبيديا” التي يمكن لأي شخص أن يضيف فيها أي شيء دون تدقيق في مصادر أو حرص على مصداقية. وبعد ذلك، أصبح الصحفي مثل تلميذ المدرسة إذا أراد اي معلومة فيمكنه ـ حتى من خلال هاتفه الذكي الآن ـ أن “يجوجلها” ويحصل على ثروة من المعلومات. هذا الاستسهال أدى في النهاية إلى تراجع “الجودة” في منتجات الإعلام التقليدي ولم تعوض بالطبع من وسائل الاتصال عبر الانترنت من مواقع مدونات أو تواصل اجتماعي.
في السنوات الأخيرة، تصاعد الحديث عن “الصحفي المواطن” أي أن كل من لديه فرصة وصول للإنترنت يمكنه أن يبث أخبارا باعتبار أن الانترنت فضاء مفتوح ليس به القيود التي تخضع لها وسائل الإعلام التقليدية. وتحمس كثيرون لجعل الانترنت مصدر أخبار ومعلومات لأنها لا تخضع لضغوط السلطات الشمولية التي تقيد “حرية الرأي”. هذا صحيح بالنسبة للرأي، ومن ثم فمواقع التدوين التي تحمل آراء ليست بها مشكلة. أما بالنسبة للخبر والمعلومة، فإن التحرر من الضوابط لا يقتصر على الإفلات من قيود السلطات بل يعني تحررا من كل الضوابط المهنية والقيمية التي تضمن المصداقية وتحافظ على قدر من الحيدة والموضوعية. يعني “الصحفي المواطن” أنك لست مضطرا للقلق من أن تنشر خبرا كاذبا أو تردد إشاعة مغرضة لأن قوانين السب والقذف والتشهير وحق الرد وغيرها من ضوابط مهنة الصحافة لا تنطبق عليك. صحيح أن بعض الدول الكبرى عدلت قوانينها لتطول النشر الإلكتروني، ويمكن مقاضاة شخص يشهر تلفيقا أو يضر بشركة ما بأخبار كاذبة، لكن تبقى هذه القوانين قاصرة فيما يتعلق بالأخبار العامة. كمثال، يمكنك أن تفبرك فيديو وتضعه على يوتيوب ليحقق غرضا ما وينتشر الفيديو على نطاق واسع ويلتقطه بعض “المستسهلين” ويكتبون عنه في مدوناتهم حتى تنقلها وسائل إعلام تقليدية فيتحقق الغرض المبني على كذبة وينخدع الملايين من متصفحي الإنترنت بدرجة لا يفلح معها إصلاح الخطأ.
تلك هي نظرية “الإشاعة المحققة لذاتها” التي مع تكرارها وترسيخها وتوسيع قاعدة جماهيريتها تصبح أي محاولة لإعادة الثقة للإعلام والصحافة التقليدية من أصعب ما يكون. وببساطة لا يمكن اعتبار ذلك الأمر مجرد تطور طبيعي مثل اختراع الطباعة ثم الإذاعة ثم التلفزيون فحسب، بل إن تطور وسيلة الاتصال الأخيرة ـ الإنترنت ـ مرتبط بعملية “تمييع” متعمد لكثير من الأمور من بينها الإعلام. وابحث عن المستفيد من ذلك “التمييع” ومن يستفيد من التضليل وسحب البساط من تحت أقدام الإعلام التقليدي لتستنتج ببساطة أن الأمر ليس “تطورا طبيعيا”. في الوقت نفسه، ربما لا يكون يصل إلى حد “مؤامرة لتدمير الإعلام”، وإنما مزيج من تطور تكنولوجي لم تستفد منه وسائل الإعلام التقليدية ـ مثلها مثل التعليم وغيره ـ بالشكل الصحيح واستهداف من قبل قوى ومجموعات مصالح متضررة من قوة وسائل الإعلام التقليدية. وإذا حسبت المسألة بمصالح “من يملك” فإن الإعلام في أغلبه مملوك لأصحاب رؤوس الأموال (بما في ذلك الرسمي الذي تملكه حكومات يعبر عن مصالحها وليس بالضرورة عن شعوبها التي تدفع ضرائب). أما بالنسبة للإنترنت، فإن كل من يملك وسيلة للوصول إليها ومهارة بسيطة لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي يستطيع أن “يوظفها إعلاميا” ولو لأغراض تضليلية. ويصعب كذلك القول إن الأميركان الذين طوروا الانترنت من البداية كان هدفهم تدمير الإعلام التقليدي لصالح إعلام مفتوح يسمح بالتضليل والتزييف بسهولة.
إنها مسؤولية مشتركة، على اصحاب المصالح وعلى الإعلام .. ولهذا حديث آخر.

د.أيمن مصطفى* كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى