السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا الأنبار؟

لماذا الأنبار؟

كاظم الموسوي

”أثبت وجود هذه المجموعات المدججة بأسلحة حديثة وإمكانات مالية وحماية محلية، بيئات حاضنة لها، انها استثمرت الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي توفرت في هذه المناطق بشكل منظم وممنهج ومحسوب بوعي كامل، وتوظيف كل الامكانيات لديها بما فيها إرسال ممثلين لها إلى العملية السياسية ووصولا إلى اجهزة الدولة الأمنية والعسكرية وغيرها”.
ــــــــــــــــــــــــــــ
الأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام العربية والأجنبية عما يجري في محافظة الانبار العراقية مؤخرا تؤكد على وجود تنظيمات ارهابية تحت مسميات الانتساب إلى تنظيم القاعدة الإرهابي حسب توصيف أجهزة الأمن الأميركية. ومنها الدولة الإسلامية في العراق والشام، ومختصرها داعش، أو غيرها من مسميات مختلفة تريدها الجهات التي تطلقها. وهي تسميات لمجموعات مسلحة تقوم بأعمال واضحة ومخططة من خلال الاستعراضات العسكرية والإعلانات والأعلام والشعارات وتستخدم في كثير من الأحيان المساجد منابر لها أو مصادر اعلان وإعلام. وتركز هذه الأعمال في ضرب المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، والتفجيرات والاغتيالات، والإعلان عن احتلالها لمناطق في المحافظة خصوصا، ومنها مدينة الفلوجة بالذات ورفع تسمية ولاية اسلامية عليها، فضلا عن قرى أخرى ومساحات ملائمة في الصحراء الواسعة. وبغض النظر عن تصريحات الحكومة المركزية أو من يحسب عليها وكذلك تصريحات مسؤولين غربيين، وعلى رأسهم الاميركيون، فإن المتفق عليه بالإجماع هو ان هذه المجموعات التي توفرت لها عوامل وظروفا كثيرة لوجودها والعيش في محافظة الأنبار خصوصا، وانتشارها توسعا في المنطقة الغربية من العراق وفي المحافظات الأخرى التي توصف بأوصاف كثيرة اعلاميا، لا يمكنها ان تستمر بدون هذه العوامل والظروف أساسا. مهما دعمت من جهات خارجية وداخلية. ولا بد من الإسراع في التفكير في معالجتها بالتسابق مع المقترحات والمبادرات الأخرى التي تقدم داخليًّا وخارجيًّا ايضا. ولعل الأمر الأهم هو العمل على مؤتمرات حوار وطني للقوى الوطنية التي يهمها مصير البلاد ومستقبل العباد في العراق والمنطقة.
اثبت وجود هذه المجموعات المدججة بأسلحة حديثة وإمكانات مالية وحماية محلية، بيئات حاضنة لها، انها استثمرت الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي توفرت في هذه المناطق بشكل منظم وممنهج ومحسوب بوعي كامل، وتوظيف كل الامكانيات لديها بما فيها ارسال ممثلين لها إلى العملية السياسية ووصولا إلى اجهزة الدولة الأمنية والعسكرية وغيرها. كما كشفت مجريات الأحداث وتوابعها ومسيرتها ووقائع لا يمكن التهرب منها مهما تم من انكار أو تبرير أو تملص منها. وبدون أي شك استخدمت هذه الحالات إضافة إلى القدرات العسكرية والمالية التي توفرت لديها اسلحة الإعلام والتضليل الإعلامي والحاضنات العربية لها والشروخ التي تمكنوا من الدخول عبرها والتوظيف السياسي والديني المطلوب منها.
الحديث عن هذه المجموعات لا بد ان يرفق بالأسباب التي أوجدتها والتوسع الذي احرزته وتحميل من سهل لها ووفر لها مفاتيح الدخول والعيش في هذه المناطق بالذات. كشف عنها رسميًّا وسمع بتسمياتها الإرهابية بعد احتلال العراق عام 2003 وتفنن المحتل وأعوانه في التغني بانتصاراته عليها وإلقاء القبض على قيادات منها وصولا إلى قتل زعيم لها روج له الكثير في الإعلام ونصب قائدا كبيرا لها. وهو ابو مصعب الزرقاوي (اسمه: أحمد فاضل نزال الخلايلة – 30 تشرين اول/ أكتوبر 1966 – 7 يونيو/ حزيران 2006).. ومن ثم امتداداته التي حملت اخيرا تسمية داعش وتضخمها وتمددها إلى داخل سوريا واحتلالها لمنطقة واسعة متصلة تمتد من غرب بغداد الى شرق اللاذقية. وهي مساحة كبيرة تضم مدنا عديدة اضافة إلى الصحراء والجزيرة.
توصف المرويات عن فترة الصراعات الدموية في العراق فترة 2005- 2007 بأنها طائفية وكان لهذه المجموعات سبق الفضل في تأجيجها وشحنها بهذه الشحنة الطائفية حتى الصولات عليها وعلى محاربيها من كل الأطراف. وكانت فعلا بهذا الشكل وكادت تؤدي إلى حرب طائفية داخلية طويلة الأمد لولا تحركات من الأطراف المشتركة في العملية السياسية للحفاظ عليها وبعض القوى الوطنية التي ارادت حقن دماء العراقيين والمسلمين وحماية الشعب والوطن من حرب لا غالب ولا مغلوب فيها اساسا. عادت هذه النغمة من جديد عند اصدار احكام بحق نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي وخروجه من العراق ولجوئه إلى تركيا ومن ثم قطر، وشنه حملة اعلامية بترويج طائفي واضح ضد الحكومة العراقية. ولكنها توسعت اكثر وأخذت اشكالا حادة من الاحتجاج عبر ساحات اعتصام شملت مدنا عدة من المنطقة الغربية من العراق، أواخر العام 2012 بعد اعتقال حماية وزير المالية السابق رافع العيساوي، الذي قاد هو وعضو البرلمان احمد العلواني ساحات الرمادي بخطابات مشحونة وتوجهات لا تخلو من تأجيج طائفي أو استغلال للأوضاع السائدة. وكانا هما جزءا من المسؤولين عنها بحكم الوظيفة والتغاضي المشترك.
المسألة الأخرى التي لا بد من ذكرها بالنسبة إلى الأنبار بالذات هي موقعها الجغرافي بين العراق وسوريا وعلى الطرق الاستراتيجية البرية بين البلدين، وتهديد غلقها والاعتصام عليها دفع بالشكوك من الشعارات والأهداف المعلنة من تلك الاحتجاجات وخلوها من التحريض الخارجي والدعم المتنوع لها، ضمن اطار الحملة والحرب من قبل الدول الإقليمية الداعمة والمشاركة في الحرب في سوريا وعليها. وهذه المسألة تطرح قضية المطالب المشروعة وحتى المطالب نفسها بأنها ليست هي الأهداف الأساس فيها، بل ما هو مطلوب منها أبعد وأكبر منها. وهنا تكون مسيرة العمليات المتفق عليها الآن أيضا خاضعة لسير آخر في خطط التخلص من داعش ومن ثم التفرغ لما بعدها. فجاءت الأنبار في هذه الحالة بين بين، وأصبحت بكل ما يقال حالة ضمنية مدولة رغم كل ما معلن فيها الآن. وتبين الرهانات والترابطات بين من تزعم أو ادعى أو أعلن تداخله في الاحتجاجات أو في توفير مناخات الارهاب والشحن المذهبي، كما تعكس ترابط التغيرات والتحولات الاستراتيجية في المنطقة عموما. والتسميات لكل منها تأتي بعدها.
وتبقى معاناة سكان الانبار من الحصار والعمليات العسكرية إضافات أخرى لما عانوه قبلا واستمرارا إلى ما وضعوا فيه من اوضاع ليست لديهم أو لهم حاجة بها. حيث يمكن لهم ان يسهموا مع غيرهم في بناء الوطن وتحقيق المطالب الشعبية لعموم الشعب العراقي والنهوض بها، كما ساهموا في انقاذه من الاحتلال المباشر وحدة التواطؤ المستمر.

إلى الأعلى