الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / إقليم المفارقات .. هويات

إقليم المفارقات .. هويات

أ.د. محمد الدعمي

”إن معضلة الهويات معضلة ثقافية أساساً: فأنت تبقى في حيرة من أمرك هل أن هويتك عربية أم سومرية، أكدية أم آشورية، أم هي كردية. وهكذا رسبت النتيجة النهائية اشبه ما تكون بصحن سَلطة منوع من قبيل الأطباق التي كان يقدمها لنا النادلون في مصايف “بحمدون” و “عالية” في لبنان،”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان المفكرون والمحللون السياسيون قد اختلفوا في توصيف الشرق الأوسط، كل حسب أهوائه وحيث تستقر تموضعات تركيزه، إلا أني قد أطلقت على إقليمنا الغني هذا في كتابي الموسوم (أسير حلم: تسع مفارقات من إحيائية الشرق الأوسط)، 2012، Caught in a Dream: Nine Paradoxes from Middle-Eastern Medievalism ، عنوان: “إقليم المفارقات” بسبب أن شعوبه ما فتئت تنوء تحت أعباء الماضي على نحو هو بدرجة من التعامي أنها أوغلت في مفارقاتها، ثم انحدرت تترى إلى نوع من الرجوعية التي لا يحسدنا عليها أحد.
المفارقات الواسعة الانتشار بين شعوب هذا الإقليم المبتلى تستدعي التندر أحياناً وذرف الدموع في أحيان أخرى. بيد أن واحدة من أكثر المفارقات إرباكاً للناظر المحلي والأجنبي كذلك، هي مفارقة الهويات النابعة من اختلاط الأعراق والديانات والطوائف بين شعوب الإقليم التي سبق أن تسببت للوزيرين سايكس وبيكو بالحيرة، درجة أنهما ضربا بقبضتيهما المنضدة التي كانوا يضعون عليها خارطة الإقليم الطبيعية من أجل تخطيط حدود الدول أو “المحميات” التي أرادوا اقتسامها على طريقة “الانتداب” بعد سقوط الدولة العثمانية كي يدربوا شعوبها على حكم أنفسهم بأنفسهم.
وقد كانت النتيجة النهائية بدرجة من الاختلاط والتداخل الزئبقي الحدود بين أقوامه أنها راحت اليوم تحصد اختلالات قرارات الوزيرين الفرنسي والبريطاني المذكورين الاعتباطية في أعلاه.
إن معضلة الهويات معضلة ثقافية أساساً: فأنت تبقى في حيرة من أمرك هل أن هويتك عربية أم سومرية، أكدية أم آشورية، أم هي كردية. وهكذا رسبت النتيجة النهائية اشبه ما تكون بصحن سَلطة منوع من قبيل الأطباق التي كان يقدمها لنا النادلون في مصايف “بحمدون” و”عالية” في لبنان، إذ إنها تزخر بالعناصر النباتية والحيوانية أحياناً كي تكون من النوع غير القابل للنسيان.
عندما ذهبت إلى المغرب لإلقاء ثلاث محاضرات في الجامعة الصيفية التي يرعاها معهد كيتو الأميركي Cato Institute في مدينة مراكش، 14-24 يوليو 2010، لاحظت ذات المعضلة الخاصة باختلاط الهويات لدى إخواننا هناك على سواحل المحيط الهادي: هم حائرون: هل هم عرب حقاً؟ وإذا كانوا عرباً، هل هم من العرب “العاربة” أم العرب “المستعربة”؟ أما ما يزيد الطين بلّة هناك، فيكمن في ذلك التيار القوي بين شبيبتنا هناك لأنهم متشبثون بكونهم بربرا من المتحدثين بالأمازيغية! فأي الهويات نعتمد، إذاً؟ هي ذات حيرة الوزيرين أعلاه، خاصة عندما يرى البعض بأنهم عرب وأنهم، لذلك، أعلى درجة من مواطنيهم الناطقين بالأمازيغية. لذا فإنهم يقعون في خانق هوية آخر: وهو خانق التشبث بالتراث الأندلسي، لأنهم ينسبون أنفسهم للأندلسيين بوصفهم عرباً، بالرغم من أن المصادر الغربية القديمة والحديثة تشترك بتسميتهم “مورو” Moors، وهو لفظ أقرب إلى موريتانيا عن سواها.
يحاول بعض سراة القوم في إقليمنا تمرير خرافة ما يسمى بـ”الفسيفساء” على أساس القبول بما سبق ذكره حول تنوع طبق السّلطة في المصايف الواقعة على الجبال المطلة على بيروت الجميلة، بيد أن هذه الخرافة تفقد فاعليتها كلما صعد مؤشر العصبية القومية العربية، خاصة عندما يعلن المرء، كما هي الحال عليه في المغرب، أنه أعلى درجة من الآخرين لأنه عربي، الأمر الذي يقود إلى ردود أفعال أكثر شوفينية وعصبية من قبل الأقليات، خاصة لدينا في العراق. لذا يتمسك الكردي بكرديته والتركماني بتركمانيته والآشوري بآشوريته والمندائي بصبّيته. كل واحد منهم يرى نفسه أعلى مرتبة من الآخر: هم يتزاوجون ويتعايشون سوية في ظل أطر تضامن اجتماعي قديم للغاية، بيد أن هذا التضامن سرعان ما ينهار حال يقظة عفريت الهوية، ذلك العفريت الذي يتشطر إلى عفاريت بالعشرات لحظة صعود مؤشر الشوفينيات والعصبية الإثنية والدينية.

إلى الأعلى