السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رسائل تطمين لشباب 25 يناير

رسائل تطمين لشباب 25 يناير

محمد عبد الصادق

” في مصر الآن هناك أصوات ترى الحل للخروج من هذا المأزق في اختيار شخصية وطنية قوية تتمتع بقبول وشعبية يستطيع أن يجمع الشتات ويلتف حوله المصريون حتى لو جاء من المؤسسة العسكرية وحامت حوله شبهة الانقلاب، مبررين طرحهم بأنها الضرورة والظرف التاريخي الصعب والأزمة التي تكاد تعصف بمقدرات البلاد,”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في 1958 ساءت الأحوال السياسية في فرنسا نتيجة الاضطرابات التي صاحبت حرب الاستقلال في الجزائر وساد الغضب ضباط الجيش لإحساسهم بتقاعس الحكومة عن دعم المجهود الحربي في الجزائر وخشيتهم إعلان الانسحاب السريع من الجزائر والتضحية بما أسموه الشرف الفرنسي مقابل مصالحها السياسية، ورأى قادة الجيش والزعماء السياسيون والنخب الفرنسية في بطل الحرب شارل ديجول ـ الذي ترك الحكم منذ 12عاماً ـ الشخصية الوحيدة القادرة على توحيد الشعب الفرنسي، وتسيير أمور الدولة، وبالفعل قام الجيش بانقلاب عسكري وتشكل مجلسا عسكريا أجبر الرئيس الفرنسي حينئذٍ رينيه كوتي على تسمية ديجول لرئاسة حكومة وحدة وطنية ذات صلاحيات استثنائية لتسيير أمور البلاد، وكان شرط ديجول لقبول رئاسة الحكومة هو وضع دستور جديد ينشئ نظاما رئاسيا قوياً يتكون من سلطة تنفيذية واحدة يكون هو على رأسها وتستمر لمدة سبع سنوات، كما اشترط أن يعطى صلاحيات استثنائية لمدة 6 شهور ليعيد الاستقرار لفرنسا، وبالفعل تم الاستجابة تحت ضغط الأزمة والتأييد الشعبي والسياسي لكل شروط ديجول ـ باستثناء الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران والكاتب الوجودي جون بول سارتر، وبعض السياسيين والمثقفين الاشتراكيين الذين أصروا على تسمية ما حدث بالانقلاب ـ وتم إنجاز الدستور وانتخاب ديجول رئيسا للجمهورية في نهاية العام؛ واستطاع الجنرال العجوز العبور بفرنسا لبر الأمان وتحقيق الاستقلال الوطني وتثبيت دعائم دولة القانون والفصل بين السلطات: التنفيذية والتشريعية والقضائية وأسس لنظام ديمقراطي رئاسي برلماني يقتسم الصلاحيات بين رئيسي الجمهورية والوزراء والبرلمان ما زال مثالاً يحتذى لنظم الحكم الديمقراطية في العصر الحديث.
تحقق هذا على يد ديجول رغم وصف المعارضين له بأنه انقلابي جاء على ظهر دبابة أو على أسنة الرماح وهو الأمر الذي جعل نهايته في الحكم درامية بعد اشتعال ثورة الطلبة ضده وإصرارهم على رحيله بعد عشر سنوات قضاها في حكم فرنسا ولم يشفع له تاريخه الوطني المشرف ولا دوره في إعادة البريق لفرنسا وإعادتها لمصاف الدول العظمى.
هذه المقاربة السياسية تشبه إلى حد بعيد الوضع الحالي في مصر: ثورة قامت ونجحت في التخلص من نظام فاسد، مستبد ولكنها فشلت رغم مرور ثلاث سنوات على قيامها في تأسيس نظام جديد يستطيع العبور بمصر لبر الأمان وتحقيق مطالب وتطلعات الشعب وشباب الثورة الذين رفعوا شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية ولم يحصدوا سوى التهميش والنكران والملاحقة الأمنية والاتهام بالعمالة والخيانة والتنصت على هواتفهم والتضييق على حياتهم الخاصة، وحملة إعلامية مسعورة للنيل من سمعتهم والتشكيك في وطنيتهم وولائهم للوطن.
فضلاً عن فشل الحكومات التي تعاقبت على حكم مصر في توفير الحد الأدنى من العيشة الكريمة لجموع الشعب المتوثبة لجني ثمار الثورة. فضلاً عن الانقسام المجتمعي بين المصريين جراء المتاجرة باسم الدين تارة و المزايدة على الوطنية تارة أخرى.
في مصر الآن هناك أصوات ترى الحل للخروج من هذا المأزق في اختيار شخصية وطنية قوية تتمتع بقبول وشعبية يستطيع أن يجمع الشتات ويلتف حوله المصريون حتى لو جاء من المؤسسة العسكرية وحامت حوله شبهة الانقلاب، مبررين طرحهم بأنها الضرورة والظرف التاريخي الصعب والأزمة التي تكاد تعصف بمقدرات البلاد، داعين إلى اعتبارها مرحلة انتقالية مؤقتة حتى نعبر المحنة ونصل لبر الأمان وتتعافى الدولة ويكتمل بناء المؤسسات ووقتها نستطيع إقامة نظام الحكم الديمقراطي الذي نتمناه.
في الاستفتاء الأخير على الدستور تبين عزوف قطاع كبير من الشباب عن المشاركة اعتراضاً على المسار الديمقراطي المختل، واعتماد الحكومة الحلول الأمنية دون غيرها لمواجهة الاضطرابات التي أعقبت عزل مرسي وسقوط حكم الإخوان وتوسيع دائرة الاشتباه وملاحقة النشطاء السياسيين بتهم تتعلق بحرية الرأي والتعبير بالإضافة إلى ظهور فلول مبارك والتشكيك في 25 يناير وإقصاء شباب الثورة عن المشاركة في المشهد السياسي والتشهير بهم في الإعلام.
على الشباب أن يعي ضرورة انتهاء المرحلة الانتقالية؛ لأن عدم وجود رئيس وحكومة وبرلمان منتخب يطيل أمد الأزمة ويخلق فراغاً سياسيًّا وتشريعيًّا ويطيل حالة الانسداد التي نعانيها منذ 3سنوات.
وعلى الحكومة الحالية دعوة شباب الثورة لحوار حقيقي وإرسال تطمينات تؤكد انحيازها لثورة 25يناير بمنع رموز حكم مبارك المفرج عنهم في قضايا الفساد والتحريض على قتل المتظاهرين ـ من العودة لممارسة السياسة أو الظهور الإعلامي، والإفراج عن طلاب الجامعة غير الضالعين في جرائم العنف والتخريب، وفتح المجال لشباب الثورة للمشاركة والانخراط في العمل السياسي وتشجيعهم على خوض الانتخابات النيابية والمحلية المزمع إجراؤها في الصيف القادم لملء الفراغ الناتج عن اختفاء الحزب الوطني بعد ثورة 25يناير وحظر جماعة الإخوان بعد 30يونيو.
وفي الجانب الآخر على الشباب عدم المغالاة في مطالبهم المتعلقة بالحريات واحترام حقوق الإنسان؛ فمصر ليست سويسرا والتجربة أثبتت مخاطر هذا النوع من الحرية المنفلتة، وعليهم التعامل مع الواقع المصري الأليم ومعرفة سلم الأولويات وأن الثورات والتغيير لا ينجح إلاّ إذا كان الإصلاح متدرجاً؛ فمصر من الدول القلائل على مستوى العالم التي بها 40% نسبة أمية و50% من شعبها تحت خط الفقر وبها 12 مليون مصاب بالأمراض الوبائية، و2مليون طفل شوارع وأزمات في التعليم والصحة والطرق والبنية الأساسية ونسبة بطالة تفوق 13%.
باختصار شديد لا أمل في الخروج من الأزمة التي تعيشها مصر إلاّ بالتوازن بين متطلبات استقرار الدولة وتدعيم مؤسساتها، ومطالب الشباب وتطلعاتهم للحرية والديمقراطية والتغيير وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة وتحمل مسؤوليات الوطن.

إلى الأعلى