السبت 19 سبتمبر 2020 م - ١ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: حساب المسؤول الحكومي في التدوين المصغر (تويتر)

في العمق: حساب المسؤول الحكومي في التدوين المصغر (تويتر)

د. رجب بن علي العويسي

يأتي طرحنا للموضوع في ظل مرحلة متجددة تستشرفها عمان المستقبل مع إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة والمعطيات القادمة التي يصنعها واقع الممارسة على مستوى العمليات الإدارية والتواصلية والإنتاجية والخدمية بالمؤسسات أو على مستوى المسؤول الحكومي ذاته، وفرضية القيمة المضافة التي تحققها ظاهرة وجود حسابات المسؤولين الحكوميين من وزراء ووكلاء وزارات ومن في حكمهم في موقع التدوين الاجتماعي التواصلي المصغر “تويتر”، فمع الاعتراف بأن منصات التواصل الاجتماعي جميعها شكلت تحولا في بناء المعرفة البشرية وإنتاجها وسرعة تداولها؛ إلا أن “تويتر” يشكل أهمها استخداما في هذا الجانب، سواء من قبل الأشخاص والشخصيات البارزة، أو رؤساء الحكومات والسياسيين والإعلاميين والمسؤولين الحكوميين والمديرين التنفيذيين للشركات وغيرهم من مختلف شرائح المجتمع على مستوى العالم أجمع، أو من قبل المؤسسات الحكومية والخاصة والمنظمات الدولية الرسمية وغير الرسمية والشركات، إذ بات الكثير من مؤسسات الاقتصاد والمال والسياسة وغيرها في العالم تمتلك حضورا نوعيا في هذه المنصة التواصلية للحصول على أصوات لها في رفع سقف توقعاتها في القضايا المطروحة أمام الجمهور والرأي العام، أو بهدف تحقيق أهدافها أو الترويج لمنتجاتها وأفكارها ومبادئها، لذلك أصبح للكثير من رؤساء العالم وقياداته وحكوماته صفحات لها في هذه المنصة التواصلية، نظرا لما يتميز به عن غيره من منصات التواصل الاجتماعي في امتلاكه خاصية الانتشار السريع والترويج الذكي الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان، وصفة التفاعلية والتشاركية في تداول المعلومة وسرعة انتشارها والتفاعل السريع مها عبر حسابات (الهاشتاج) وغيرها، بالإضافة إلى خاصية تحديد من تصل إليه من الجمهور والتقنين للمعلومات والأفكار المتداول وسهولة عملية إعادة التغريد أو الإعجاب أو الاقتباس مع إعادة التغريد والإرسال عبر رسائل خاصة والتداول الواسع لها عبر (الهاشتاجات)، بالإضافة إلى ما يتميز به من خاصية حماية التغريدات، وتوفير نظام الخصوصية للمستخدمين مع إمكانية التحكم بمن يمكنه المتابعة من غيره، ناهيك عن أن المادة العلمية أو البنية المعرفية تتميز بمحدودية الكلمات التي تقدم محتوى مؤثرا ومادة تتسم بالترابط والتكاملية والانتقاء في ما تحمله من رسالة أو تبرزه من رؤية أو تقدمه من فكرة مرت بالمزيد من التمحيص والتقنين والحصر والاختصار والدقة حتى أصبحت في شكل آخر وجمل مفيدة تحمل وضوح المعنى وعمق الفكرة وقوة الأسلوب مع سهولة القراءة وسرعة الرد.
وبالتالي ما يمثله وجود المسؤول الحكومي في هذه المنصة التواصلية من قيمة مضافة لها أثرها الإيجابي ـ إن أحسن استخدامها وفعلت أجندة عملها وآلياتها ـ بطريقة تضيف قوة في مسار العمل ومنهجيات الأداء، كونها مساحة تواصلية جديدة تعطي المسؤول الحكومي أريحية أكبر في التعبير عن ذاته خارج إطار المؤسسة وأحكامها والبروتوكول الذي يعمل به أو أجندة العمل اليومية التي تعرض عليه للبث فيها لتحلق به في فضاء إلكتروني مفتوح وعالم يحمل آمال الكثيرين وأحزانهم، ويصف طموحاتهم وظروفهم، ويؤسس للكثير من الفرص الواعدة في حياة المجتمعات، ويفتح الآمال العريضة لتغييرات قادمة قد تشكل هذه المنصة التفاعلية جسر تواصل لها ومحطة إنتاج يتعايش فيها الجميع المسؤول والموظف والمؤسسة والمجتمع في ظل ديمقراطية إلكترونية كونية ومساحات حوار آمنة معززة لمبادئ الحوار البناء والنقد الهادف وحق التعبير عن الرأي المكفول بالقوانين السارية في هذا الشأن، فإن ما نقرأه في حسابات بعض المسؤولين الحكوميين من حضور مستمر عبر هذه المنصة التفاعلية يبشر بخير ويفتح المجال لمرحلة جديدة تبرز على السطح مفهوم المسؤول الحكومي الاجتماعي الذي يتعايش مع الواقع ويتفاعل مع الحدث، ويتجاوب مع التغيير ويمتلك روح التطوير، ويستفيد من العوالم الافتراضية التي بدت تشكل هوية العالم وتعيد صياغة الواقع الكوني، وتطرح في ظل منظومتها الاقتصادية والتعليمية والسياسية والتقنية مرحلة جديدة تبرز قيمة اقتصاد المعرفة ومنصات التواصل الاجتماعي كقيمة اقتصادية إنتاجية لها ثقلها في اقتصادات الدول ونهضة المجتمعات أثبتت ذلك الأحداث التي مرت بالعالم، وما أمر كورونا (كوفيد 19) علينا ببعيد، وفي الوقت نفسه إنتاج المسؤول الحكومي الذي يفكر عالميا ويطبق محليا ويعكس ما يشاهده من تحولات إيجابية في المشهد العالمي الاقتصادي والاستثماري وغيره مدخلات استراتيجية تظهر في واقع عمل المؤسسة التي يديرها عليها والقطاع الذي يشرف عليه، آخذا في الاعتبار بناء مسارات العمل وموجهات التطوير واستراتيجيات الأداء التي تحفظ كيان المؤسسة ومواردها وخصوصيتها، وتحافظ على موقعها التنافسي الداخلي والخارجي على حد سواء لضمان تحقيقها لاستراتيجيات التنمية الوطنية المستدامة والجودة في الأداء.
وعليه، فإن القيمة المضافة المتحققة من تواجد المسؤول الحكومي في منصات التواصل الاجتماعي عامة و”تويتر” بشكل خاص ناتج عن الحضور الشبابي في هذه المنصات والذي يتأكد اليوم في ظل ما أفصح عنه الخطاب السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في حديثه عن الشباب بقوله: “وسوف نحرص على الاستماع لهم وتلمُّس احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم، ولا شك أنها ستجد العناية التي تستحقها”، منطلق مهم لتحقيق رؤية القيادة الحكيمة في الانتقال بعمان إلى مستوى طموحات أبناء عمان الأوفياء وشبابها الصاعد وأجيالها الواعدة وآمالهم في شتى المجالات، والذي سيكون عنوان المرحلة القادمة، بما يصنع من حضور المسؤول الحكمي في هذه المنصات ـ حضور الفعل والممارسة والعمل والإنتاجية والقوة والتأثير والاحتواء ـ من ضمانات لتحقيق مسار أفضل للتفاعل والنقاش وإبداء الرأي وطرح التساؤلات والاستماع للشباب والإنصات لهم والإجابة عن أطروحاتهم وتلمس وجهات النظر وتقييم مستوى الرضا المتحقق لدى المجتمع حول الأداء الشخص ي له كمسؤول أو أداء المؤسسة الحكومية بشكل عام، والجوانب التي تحتاج إلى المزيد من المتابعة لها وإعادة تصحيحها والوقوف عليها أو إيضاح صورة العمل فيها، لما يمكن أن يقدمه هذا التواصل والحوار من مؤشرات للعمل القادم وتصحيح للمسارات السابقة أو تقويتها أو إعادة هندسة الواقع المؤسسي في ظل المعطيات الجديدة والهيكلة الحاصلة في الجهاز الإداري للدولة، وفي الوقت نفسه يتابع ما يصدر من تعليقات وتعقيبات وتحولات في المشهد الوطني، خصوصا في قضايا الباحثين عن عمل والمسرحين ومخرجات التعليم الجامعي ومخرجات الدبلوم العام والتخصصات التربوية الباحثة عن عمل وغيرها من القضايا ذات العلاقة باختصاصات مؤسسته، ورصد دقيق لمعطيات الواقع في ظل ما يفصح عنه تغريدات المغردين في هذه المنصات فيعمل على تلافي الأخطاء المؤسسية وتجنب الوقوع فيها أو تبني سياسات أكثر نضجا ترقى بالعمل وتضمن تحقق التقدم المنشود.
على أن ما يكشف عنه ازدياد أعداد المتفاعلين في هذه المنصة مع الحساب الشخصي للمسؤول الحكومي بما يفوق تفاعلهم مع حسابات المؤسسات، محطة انطلاقة قادمة يجب الاستثمار الصحيح فيها وتوجيهها التوجيه الأمثل بما يضمن تحقق الأهداف لصالح تحقق الإنتاجية التي تظهر على أداء المسؤول الحكومي ونشاطه وكفاءته في إدارة منصات العمل واقترابه من توجهات الشباب وحصوله على التقدير الاجتماعي ومنحه المزيد من الثقة في قيادة العمل المؤسسي، في إشارة إلى أهمية إعادة صياغة واقع الحسابات المؤسسية ووضعها أمام مراجعات قادمة وتطوير مستمر وقراءة أكثر مهنية وتأصيل عامل الجذب في الطرح والتفاعل معه واكتشاف أسباب تحقق هذا التفاعل. ومع أن تحقق عدالة معيارية التقييم وكفاءة الردود أمر لا يمكن الجزم به والاعتماد عليه نظرا لما يدخل هذه المنصات من ذاتية ومجاملات قد تحول النقاشات إلى مجرد دردشات كلامية وفقاعات صوتية لا تمثل قناة تواصلية داعمة له في ممارسة مسؤولياته وضمان تحقق مؤشرات النجاح، ودون الخوض في مسألة التقنين والضبطية باعتبارها في الأول والأخير غير ملزمة للمسؤول الحكومي في شخصه وهي تعبير عن رغبة ذاتية واستشعار حجم المسؤولية وتأصيل مسار الثقة في الشباب ـ الفئة الأكبر في هذه المنصات ـ في تقبل الرأي والرأي الآخر وتعميق فرص الحوار والنقاش رغم ما قد يثار في أثناء الردود والتعليقات من كلمات خارج النص ووجهات نظر مغايرة للمأمول؛ إلا أنها في الوقت نفسه تصنع الثقة في المسؤول الحكومي والاعتراف بما يحمله من شخصية متجددة قادرة على التفاعل، وهو بدوره يصنع من هذه القنوات مساحة أمان يعيد فيها إنتاج قدراته وتقوية استعداداته وأهمية تعلمه واستفادته مما يطرح من قضايا الساعة، ويجد في نفسه بأن عليه أن يكون أكثر اطلاعا على الواقع واستيعابا لأحداثه وتفاؤلا بمستقبل التحولات القادمة، ناهيك عن كونه يجد في هذه الاستراحة التكتيكية مساحة شخصية له في الخروج عن البروتوكول المعتاد والاجتهاد في تجاوز قالب النص الذي يحاط به من قبل العاملين في مكتبه، فيخرج فيها من عباءة المسؤول إلى المكلف بالمسؤولية والموظف الأمين على موارد الوطن وإنسانه.
وبالتالي فإن الرهان على ما يحمله وجود المسؤول الحكومي في المنصة التفاعلية المفتوحة ينطلق من كونها جزءا من فلسفة الأداء، وأن ترسم معالم قادمة حول نهج المؤسسة وطموحاتها، وأجندة العمل التي يحقق من خلالها المسؤول الحكومي رؤية مؤسسته ونقل رسالتها إلى الواقع، ويثير فيها شجونا وقضايا يجد من الأهمية قياس الرجع الميداني حولها أو تلمس الرأي العام بشأنها، ومدى قبوله لها أو اعتراضه عليها، أو الإضافات النوعية التي من شأنها تصحيح المسار واستقراء رأي الجمهور ومستوى انطباعه، والفقه الذي يحمله حول هذه القضية أو تلك، واختيار التوقيت المناسب، وبالتالي أن تشكل منصة إعلامية داعمة وقناة تواصلية جديدة يفتحها المسؤول الحكومي مع المجتمع حول مسار العمل وآلياته وموجهاته في ظل ما يستدعيه الواقع ومستجدات الحالة العمانية عامة والظروف المتعلقة بالمؤسسة بشكل خاص مراعيا في ذلك توقعات المجتمع، واضعا نصب اهتمامه كيفية تحقيق توازن في مسار العمل، فهو من جهة عليه أن يضع هاجس المواطن في أولوية اهتمامه وفي الوقت نفسه يسعى إلى إحداث التحول المأمول وصناعة إنجاز يفخر به الجميع ويشكل مسار قوة في عمل المؤسسة، وبالتالي أن يتخذ مسار العمل الجدية والاستمرارية المفضية إلى النتائج، وليس حالة وقتية أو سلوكا عفويا ينتهي عندما يصطدم بضريبة حرية التعبير في هذه المنصات ومستوى الاهتمام بالمطالبات الشخصية، والمجاملات أو التعليقات خارج النص أو تقديم عبارات الثناء والشكر والدعاء وغيرها من الردود السطحية التي قد لا تثيري الموضوع المطروح أو تعطي مؤشر نجاح معين فيه، إلا أنها فرصة لفهم مستوى التباين بين الأفكار الجادة وغيرها وكيف تتعاطى معها هذه المنصات، واتساع مساحة النقد حتى مع عريّ بعض الألفاظ من الأخلاقيات والمبادئ التي قد يجد فيها البعض مبررا للتوقف وعدم الاستمرارية، ويبقى استمرار وجود المسؤول الحكومي في هذه المنصات نقطة تحول في الاتجاه الصحيح، وتعبيرا عن ما يمنحه للرأي العام من أهمية في بناء مسارات العمل ومنهجيات الأداء القادمة، وبالتالي أن تتحول مسألة وجود المسؤول الحكومي من كونها ظاهرة صوتية ومسارا شخصيا إلى فرصة أكبر للتعايش مع الواقع الافتراضي والعيش في عوالمه المتعددة، وهو ما يعني أن المسألة لا تقتصر على الحضور الصرف في هذه المنصات وإنما حضور الفعل المتبوع بنتائج عمل وشواهد أداء وأدلة تغيير ودروس متعلمة تظهر في السلوك الإداري والقرار وإنتاجية المؤسسة والأداء والحوار في البيت الداخلي للمؤسسة، وفي الكفاءة الداخلية للأداء وكفاءة الصلاحيات والتفويض، وما تحتاجه من عمليات تحليل ورصد وتشخيص وتلخيص وتبويب وغيرها للخروج بنتائج واضحة ورؤية أعمق ومؤشرات أداء حول مسار العمل الذي تقوم به مؤسسته ومشاركة الأفكار والتعايش الفكري والتواصل المعرفي الذي يفتح للمسؤول الحكومي مدركات جديدة ويبصره بمواقف أخرى قد تكون بعيدة عن أنظاره أو تضع ضغوطات العمل عراقيل في إدراك مسبباتها.
أخيرا، فإن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن لا تكون منصات التواصل الاجتماعي المسار الوحيد للمسؤول الحكومي في اكتشاف الواقع والخروج إلى المجتمع، والوقوف على موقع التنفيذ والمتابعة المستمرة للمشروعات والبرامج الحكومية المنفذة ذات العلاقة بوحدته، كما أن ذلك لا يعني تنازل المسؤول الحكومي عن أصول الممارسة المهنية والواجبات الوظيفية التي تجعل من عملية الحوار المباشر واستدامة التواصل والشراكة كمهمة أصيلة في عمله وقاعدة صلبة في تنفيذ مهامه، كما لا يغني ذلك عن مسؤوليته في تبني سياسة الباب المفتوح والاتصال الجماهيري داخل المؤسسة وخارجها، ولكنها مساحة أمان جديدة في ظل مرحلة متجددة وظروف معقدة ومعطيات متسارعة، عليه أن يتفاعل مع معطياتها بعمق ويدرك مسؤولياته فيها بمهنية ويحترم فيها إرادة التغيير وفقه التطوير، وأن يمتلك فقه التأثير والاحتواء وحس التواصل والتناغم مع طموحات العمانيين، لذلك يصبح وجوده في هذه المنصات التواصلية خيوط أمل ممتدة تقترب به من الواقع وتشخيصه لمسار العمل، فيفتح أبواب مؤسسته أمام المراجعين والمواطنين كما اتسع صدره لقبول النقد والتعايش مع الاختلاف وتبسيط الإجراءات وتقليل الهدر في الوقت والتكرار في العمليات، وهو حساب تفاعلي يتعدى خطية الاتصال (مرسل ومستقبل) إلى دورانه وتأثيره (حساب تفاعلي)، ليشكل حضوره واقعا عمليا في هذه المنصات، حضور الممارسة وإنتاج القوة التي تظهر في قرارات المؤسسة وخططها وبرامجها وسياساتها وتوجهاتها القادمة، ويبقى وعي المجتمع بأهمية استدامة هذه المنصة التفاعلية كإحدى حلقات التواصل مرهونا بحضور ثقافة التعامل وفقه النقاش ورصانة الردود والحوارات لما تؤسسه من فرص تعزيز الثقة في حضور المسؤول الحكومي واستشعار المجتمع أهمية وجوده، وبناء انطباعات وفق مشاهدات ومعايير نجاح تقرأ فيه استحقاقات المرحلة وكفاءة التعاطي مع متطلبات الواقع واستجابته لما يكتب أو يثار حول قضايا مؤسسته.

إلى الأعلى