الجمعة 18 سبتمبر 2020 م - ٢٩ محرم ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / القراءة تصنع الحضارة (1)

القراءة تصنع الحضارة (1)

د.صالح بن سعيد الحوسني:
لا يغيب عن حس المسلم وشعوره دائما الحكمة من خلقه واستخلافه في الأرض، فلا تكاد تبادر مسلمًا بهذا الأمر إلا وتلا عليك قوله تعالى:(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وهو أمر حسن يدل على إدراك حقيقة هذا الإنسان وسر وجوده على هذه الأرض، ولكن ما يعكر هذه القضية ما نلمسه من واقع كثير من الناس عدم إدراكهم هذه العبادة المطلوبة بالطريقة الصحيحة، وكيف يستطيع القيام بمهمته التي خلق من أجلها، وهو ناتج حسبما يظهر في قصور متعمد للنظر من مصادر المعرفة، وإهمال وغفلة عن التعلم، ففاقد الشيء لا يعطيه ـ كما يقال ـ وهذه الشريعة العظيمة قائمة على العلم والفهم فليست هي مجرد طقوس وترانيم يأخذها الصغار من الكبار وليست هي مظاهر جوفاء يمكن أن تُنال بالتقليد الساذج دون وعي أو إدراك، بل هي حقائق دقيقة تنظم علاقة الإنسان بربه وعلاقته بمفردات هذا الكون الذي حوله، والتي تبرز دور المعرفة في التعامل الصحيح والقيام بالواجب من الإنسان، وعليه فلا بد من السعي لتعلمها وفهمها حتى يتم العمل بما فيها.
ومن خلال هذه المقدمة المتواضعة أردت الدخول إلى عالم جميل فيه من اللذة والجمال والشعور بالمتعة ما لا يمكن وصفه، هذا العالم هو عالم القراءة والإطلاع الذي بسببه هرب النوم من عيون العلماء، وأذاب من أجله أهل العلم مهجهم، وأفنوا في البحث عن دقائقه وتفاصيله سحابة نهارهم وجُل ليلهم حتى أن الواحد لا يشعر بما يقع حوله من أحداث، بل إن منهم من يتمنى أن يقف الزمن حتى يأخذ نهمته مما هو فيه الراحة واللذة، وحتى ندلل على ما نقول ننقل لكم طرفا مما كان عليه حال أهل العلم فيروي لنا التأريخ أن الإمام محمد بن عبدالله الخليلي ـ رحمه الله ـ قبل أن يعقد له بالإمامة جلس في المسجد للقراءة بعد صلاة العشاء فجاءه المؤذن ليطفئ السراج فأخبره أنه سيطفئه عند فراغه من القراءة، وبعد أن استغرق في القراءة عاد المؤذن فرآه الإمام فأعاد له كلامه السابق بأن سيطفئ السراج بنفسه فقال المؤذن لقد ذهبت إلى بيتي ونمت ليلي وقد طلع الفجر، فقال الإمام ما شعرت بذلك .. فأي حب وغرام هذا يجعل صاحبه لا يشعر بمرور الساعات الطويلة.

* مدير دائرة شئون الحج بوزارة الأوقاف والشئون الدينية

إلى الأعلى