الجمعة 18 سبتمبر 2020 م - ٢٩ محرم ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الروابط اللفظية ودورها في التماسك النصي قراءة في آية من آيات سورة الكهف (2 ـ 2)

الروابط اللفظية ودورها في التماسك النصي قراءة في آية من آيات سورة الكهف (2 ـ 2)

د.جمال عبدالعزيز أحمد:
.. وقد تماسك النص، وتتابعت روابطه اللفظية بين الجملة الأساسية، وتوابعها من الصفات، والأحوال، وما يتطلبه الفعل المبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه (المبني للمجهول):)يُوحَى(، ونائب فاعله ارتباط الروح بالجسد، والعين بالوجه، واليد بالجسم، فهو ارتباط لا فكاكَ منه، وتماسكٌ لا يمكن التخلي عنه، وكلها كحلقات مرصوصة، وخرزات متناسقة، تبرز جمال العقد، وكمال استدارته، وجلال انعقاد حباته، وتناغم خرزاته، ووضوحها بشكل آسر، ونظام محكَم عاطر، وبناءً على ذلك البناء العقدي جاءت الآية التالية لتتفرع عنها، وتبين سلوك المسلم مع ربه، وعلاقته الدائمة مع مولاه، وفي عبادته وتوحيده:)فمن كان يرجو لقاء ربه(، فالفاء رابطة لفظية، ويترتب عليها ما بعدها، وقد قامت بدور كبير في التماسك، و)من( اسم شرط يربط كذلك بين الشرط والجواب، وهو اسم جازم للفعلين: فعل الشرط وجوابه إن كانا مضارعين، أو يؤثر في محلهما إن كانا ماضيين، ويأتي الفعل الناسخ بركنيه: الاسم والخبر متآزرًا كذلك متماسكًا، فالفعل (كان) من الروابط اللفظية العاملة، واسمه ضمير مستتر فيه تقديره (هو)، وجملة:(يرجو لقاء ربه) من فعلها المضارع المفيد للاستمرار، وفاعلها المستتر جوازًا، ومفعولها المضاف في محل نصب خبرًا للناسخ، وقد أتت الجملة الفعلية بأجزائها متماسكة، آخذة بعضها بحُجُز بعض، ومعنى (كان) يكون وسيكون، فالفعل هنا سياقيٌّ محتمل لكل الأزمنة، وكل الحياة، أي من أراد ورغب ورجا ربه ولقاءه، فعليه أن يأتي بجواب الشرط في كل حياته، ومسيرة عيشه، وألا يتجاوز ذلك الجواب بحال من الأحوال، وهو:(فليعمل عملًا صالحًا)، والفاء أداة ربط لفظي للجواب بالشرط، وتفيد سرعة التحقيق، فمن فعل الشرط نال الجواب بصورة عاجلة، وفي كل مرة فيها ينال الصواب إذا تحقق الجواب، واللام لام الأمر، وتتطلب الفعل بعدها، وتجزمه، وتفيد طلب الفعل على وجه اللزوم، والاتباع، ثم جاء المفعول منكَّرا، ليشمل كل عمل صالح، وكل سلوك كريم، دونما تحديد لنوعه، وكمه، ولكن عليه أن يتقيد بالوصف بعده، وهو:(عملًا صالحًا)، والعمل الصالح مرهون باتباع الصلاح النبوي، والاستنان بكل ما ورد عن الرسول الكريم من صلاح، وفلاح، وكأن العمل نفسه صار صالحًا، يعرف الطريق، ويبصر السبيل، ويدرك مهمته، بسبب اقتدائه بالرسول الكريم، فصار كأنه عاقل، يعلم الصلاح فيسلكه، ويرى الفساد فيتجنبه، فلا يُقبَل أيُّ عمل عند الله، وإنما العمل المقبول له شرطان، أولهما وضَّحه القول الكريم:(عملًا صالحًا)، فالصلاح أول شرط في شرطي القبول، وقامت الصفة بالربط بين العمل، ونوعه، وهو شرط قبوله، فكأنهما صارًا شيئًا واحدًا: صلاح العمل، وعمل الصلاح، وتنكير (صالحًا) يشمل كل صلاح يمكن أن يتصوره عقل، أو يدخل تحت الفكر، ثم يأتي الختام بالرابط اللفظي (الواو) التي تفيد عطف الجمل: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا)، وهو الشرط الثاني في قبول الأعمال، وهو عدم الشرك ولا الرياء وطلب السمعة والشهرة، وتحصيل المدح والثناء، فإن الله مطلع بصير، يعلم صدق العابد من كذبه، وإخلاصه من ريائه:(أحسِنِ العمل فإن الناقد بصير)، والله لا يحب الشرك، وهو الذي يقول على لسان رسوله:(أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك معه غيري تركتُه وشريكَه)، أو كما قال (صلى الله عليه وسلم) والواو عاطفة، و(لا) ناهية تتطلب منهيًّا عنه تجزمه، وفاعل الفعل مستتر جوازًا، ثم يأتي شبه الجملة:(بعبادة ربه)، وهو تركيب إضافي، متماسك الأركان، ثم المفعول المرتبط بفعله:(يشرك)، فجاءت الجملة كاملة شديدة الترابط، قوية التماسك، حيث عطف حرف العطف الجملتين، وربط بينها برباط متين، ثم جاءت الأداة الجازمة، ومجزومها، فهو مضارع يتطلب فاعلًا ومفعولًا به مرتبطًا أيما ارتباط بعامله، وتخلَّله شبه الجملة: (بعبادة ربه) ليدل على نقاء التوحيد، وسلامة العبادة، ونقاء الصلة، وصفاء التوجه، وحسن العلاقة بين العبد، وربه، فبين أن شرطي القبول إنما هو اتباع الرسول في العبادة، وعدم الخروج عنها، ولا الابتداع فيها، وأن يكون العمل في إطار الصلاح المستَنِّ فيه بالرسول الكريم، وكونه عملًا خالصًا لله، لا شرك فيه، ولا رياء، فالصلاح والإخلاص هما مطية القبول، وسبب الوصول، وهكذا رأيْنا كيف عملت الروابط اللفظية عملَها في تداخل نسيج النص، وتماسك أركانه، وترابط بنيانه، وتكامل كلماته، وأوقفتْنا تلك الروابطُ على كمال الدلالة، وجلال المعنى القرآني، بحيث قرأناها كأنها جملة واحدة، لم نشعر بانتهائها؛ لترابطها، وتآزرها، وتماسكها، وتمازجها، وتناغمها، وتكاملها، وتلك من أخص خصائص التراكيب القرآنية، وأظهر سماتها، نسأل الله تعالى أن يكرمنا بفهم لغة كتابه، والوقوف على عطاءاتها الكبيرة، وإمكاناتها الكثيرة، وطاقاتها التعبيرية الأثيرة، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

* كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hitmail.cim

إلى الأعلى