السبت 19 سبتمبر 2020 م - ١ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الظاهرة .. تنوع جيولوجي وموارد طبيعية تستنطق الإرث البشري القديم منذ ملايين السنين
الظاهرة .. تنوع جيولوجي وموارد طبيعية تستنطق الإرث البشري القديم منذ ملايين السنين

الظاهرة .. تنوع جيولوجي وموارد طبيعية تستنطق الإرث البشري القديم منذ ملايين السنين

بينها الكهوف والأودية والسهول والمناجم القديمة
متابعة ـ محمد بن سعيد العلوي :
تتميز محافظة الظاهرة بتنوع تضاريسها وتاريخها الجيولوجي القديم الذي يشير إلى وجود الإنسان منذ القدم و في الجانب الشمالي الشرقي منها، وجانبها الجنوبي الغربي استدل الباحثون على وجود الموارد الطبيعية وأنواع الجبال والصخور والمعادن وكم كبير من الكهوف التي استغلها الإنسان منذ القدم .. تكتنز الكهوف هناك بالصخور النارية وصخور (الافيوليت) المنتشرة في شمال عمان وهي صخور جيرية كربونية ترسبت منذ ملايين السنين في الناحية الشرقية الشمالية من المحافظة، أما في الناحية الجنوبية الغربية فهناك السهول الصحراوية المليئة بالشراج والاودية إضافة إلى مناجم النحاس القديمة، والمناجم الحديثة للنحاس والذهب والفضة …
يقول الجيولوجي الدكتور محمد بن هلال الكندي رئيس مركز استشارات علوم الأرض والمحاجر في الجامعة الألمانية: تعرف محافظة الظاهرة بترسبات الذهب والفضة والنحاس، حيث استغلها الإنسان منذ آلاف السنين فيما يبدو وتوجد الكثير من المواقع الاثرية المحيطة بمناجم النحاس القديمة متلونة بألوان رائعة، و يبدو أنها من اكاسيد النحاس وكربونات النحاس وجميع هذه الترسبات من الخامات المختلفة تتواجد حول المنطقة اما بعض ترسبات عناصر (المالكيت ) (والاوزريت) فهي من العناصر الموجودة في التربة بكم وتنوع هائل جدا.
وحول الأهمية الجيولوجية للمنطقة قال (الكندي) : يوجد الكروم في الطبقة السفلية من صخور (الافيوليت) وفي الطبقات المتوسطة توجد صخور الجابرو وهي تستخدم في عمليات الردميات في الكسارات وفي الطبقة العلوية توجد طبقات من النحاس والذهب والفضة، وهي تعد من اغنى المناطق في السلطنة بهذه الخامات في حين ان الجانب الجنوبي الغربي من المحافظة يتميز بوجود مجموعة من حقول النفط التي تنتج الهيدروكربونات من مناطق سطحية، كما توجد بالمحافظة أيضا مجموعة من مواقع لأحافير كائنات عاشت في بحار ضحلة ومن أهمها حيوان (النتلوس) فأحافيره تعود لخمسين مليون سنة تقريبا وهي منتشرة في ولايتي عبري وضنك، كما توجد في المحافظة مجموعة من الكهوف الرائعة؛ منها كهف (الكتان) بعبري ربما اسمه الأصلي الكتن أو الكدن وهو مسمى لكهوف كانت يستخلص منها مادة (الكتن) او (الكدن) من جبال الحجر الغربي وهي عبارة عن بقايا فضلات الخفافيش او الحيوانات التي تعيش داخل هذه الكهوف كانت تستخدم كمواد مخصبة للتربة وفي بعض الأحيان لصناعة البارود، والكهف أشبه بالمتاهة الافقية الموجودة في الصخور الكربونية أوالجيرية في ولاية عبري، وهذا الكهف فيه نوع من المغامرة في دخوله بحكم تشعباته الكثيرة في المداخل، حيث يحتاج للياقة بدنية عالية وأيضا الاحتياطات الأخرى الخاصة بالسلامة .
وأضاف (الكندي) : الكهف جميل جدامن الداخل وتوجد به مجموعة من التكوينات والترسبات الكهفية الرائعة، كما يوجد به مجموعة من الخفافيش والزواحف والثعابين وبعض الأنواع من الطيور مثل البوم على مداخله ويعتبر الكهف بترسباته وبتنوعه البيئي مميزا في السلطنة خصوصا انه توجد به ترسبات كهفية اشبه بالقطن تكون دقيقة للغاية، كما يوجد في المحافظة بعض المواقع الاثرية الأخرى من هذه الكهوف مثل كهف (غضيف) بوادي فدى بولاية ضنك وبه مجموعة من الرسومات الصخرية الرائعة وهي تعبر عن طقوس الاحتفالات التعبدية أو حالات الحرب التي وثقت عن طريق الرسومات او ربما معارك سابقة حدثت في هذه المناطق.
وحول تاريخ تكّون هذه الكهوف أوضح الدكتور محمد بن هلال الكندي : (الكتان وغضيف) تكونت في الفترات المطيرة لعصور تسمى (الهولوسين والبليستوسين) ففي هذه العصور المطيرة تحولت الجزيرة العربية الى منطقة خصبة غنية بالأعشاب وزادت معدلات سقوط المياه فيها وأدى ذلك الى اذابة كثير من الصخور الجيرية وتكون تجاويف هائلة وآخر فترة مطيرة وجدت في الجزيرة العربية ربما تفاوتت الفترة بين حدود خمسة آلاف سنة من الان الى عشرة آلاف سنة من الان تقريبا هذا النوع الأول من الكهوف المتكون من الصخور الجيرية، فكهف غضيف يقع في وادي فدى بولاية ضنك على امتداد الوادي، وهو أشبه بالملجأ الصغيرامتداده حوالي (15) مترا في عشرة امتار تقريبا ومايميز كهف غضيف هو استخدام طرق مختلفة في الرسم، حيث رسمت الاشكال والكتابات والرسومات في سقف الكهف بحبرأو صمغ أحمر، ربما صنع من مواد خام ربما موجودة في المنطقة من ترسبات اكاسيد الحديد وأضيفت اليه بعض المواد الكيمائية الأخرى، حتى تزيد من عملية امتصاص الصخور لهذه المواد، يبقى فترات زمنية ربما تصل لآلاف السنين.
وحول دلالات الرسوم الموجودة في كهف غضيف يقول (الكندي) : ان اغلب الرسومات الموجودة تشير الى حالة من الدفاع او الحرب او حالة من المواجهة، وربما استعراض قوة واثبات وجود واثبات التمكن والسيطرة على المكان، لكن قد تشير بعض الرسوم الى طقوس دينية سابقة مارسها الناس وارادوا توثيقها في هذه الكهوف وربما كانت أماكن عبادة في بعض الأحيان وقد تكون أيضا أماكن استيطان وربما بعض هذه الرسوم تشير الى احتفالات او مناسبات معينة أراد الناس توثيقها في هذه الكهوف وقد تشير إلى دلالات مختلفة .
وحول كيفية توظيف مثل هذه الكهوف خاصة مع دمج السياحة والتراث في وزارة واحدة أوضح الدكتور محمد الكندي أن وادي فدى مكان جميل جدا وكثير من الناس تقصد هذا الوادي للسياحة، وكهف غضيف موجود على طريق الوادي مجرد وجود لافتات ارشادية تحذيرية وتعليمية في هذا الكهف مدخل الكهف يكفي لتعريف الناس بأهمية هذا الكهف وربما بالنسبة لكهف الكتان الدخول اليه لابد ان يكون بوجود مرشد سياحي او علمي ومراقب للحفاظ عليه فان تم تدريب مجموعة من الشباب من المحافظة او من خارج المحافظة لقيادة مجموعات سياحية مهتمة بسبر أغوار مثل هذه التشكيلات الطبيعية لا شك ان لها مردود علمي ورياضي ونشر ثقافي سواء للسياحة الداخلية أو الخارجية وتطوير مثل هذه الأمور أو انشاء منشآت كبيرة وانما الترويج لها من خلال البرامج السياحية العلمية بطريقة عصرية مناسبة.
من جانبه أوضح الباحث حارث بن سيف الخروصي ان هذا النمط من الرسومات في الكهوف هو نمط قديم من التدوين الإنساني وهي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي قديما للتعبير عن أشياء كثيرة وتعبير عن ذكريات أواشياء دينية ربما ، حيث أن السلطنة تحوي الكثير من هذه الرسومات بمختلف أنواعها سواء الموجودة في الكهف بالاحبار وأيضا تلك المواد التي استخدمت في الرسم هي مواد اكاسيد معينة مثل الحديد او ربما استخدمت الدماء في الرسم او ربما استخدمت أشياء أخرى خليط من تلك المواد الكيمائية ماجعل هذه الصخور تمتص تلك الألوان وتبقى لهذه الفترة الطويلة من الزمن ويعد الرسم بالتلوين في الكهوف هو نمط نادر في عمان فبالنسبة للتلوين داخل الكهوف يحميها من عوامل التعرية المختلفة فلو رسمت تلك الرسومات في العراء ستكون معرضة لأحوال الطقس لكن وجودها داخل هذه الكهوف يجعلها محمية من عوامل التعرية فبقيت طول هذه الفترة الطويلة التي تبلغ آلاف السنين في شمال عمان، مثل هذه الرسومات النادرة وجد كم كبير منها في الظاهرة والشرقية ومناطق أخرى، ولكن معظم النقوشات او الرسومات اما بطريقة النقر او بطريقة الحز وذلك تجنبا لعوامل التعرية.
وأضاف (الخروصي) ان السلطنة تعد مركزا مهما وكبيرا في الرسومات على مستوى العالم، لكن حتى الان لاتوجد دراسات مستفيضة لحصر تلك المواقع الموجودة في عمان سواء تلك الرسومات القديمة الموغلة في القدم مثل تلك رسوم الحيوانات او البشر او المعارك أو الكتابات أيضا مضيفا أن محافظة الظاهرة تحوي كما كبيرا من الكتابات بالعربية المبكرة وربما الان وسائل التواصل الاجتماعي الموجودة أتاحت الكثير من المعلومات للمهتمين مثل الرحالة الذين يقومون برحلاتهم وتوثيقها ويضيف نتمنى الاهتمام واستغلال الكنوز والمواقع، سواء من ناحية ثقافية أو سياحية فهي جزء من الهوية الثقافية للسلطنة وللمنطقة العربية او حتى للعالم واستغلالها سياحيا وتنمويا واقتصاديا حتى تصل للأجيال القادمة والاعتزاز بالإنسان القديم الذي نحت تلك الصخور ودون تلك الاحداث الموجودة في هذا الكوكب.

إلى الأعلى