الإثنين 28 سبتمبر 2020 م - ١٠ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الإدارة الأبوية

الإدارة الأبوية

عادل سعد

ليست قليلة المضامين التي تابعتها في كتب ومحاضرات وندوات وحلقات عمل ولقاءات مع مختصين بشأن مفهوم الإدارة، وكيف ينبغي أن تكون بعيدة عن الرتابة الوظيفية، وأن تتحاشى التجريب والتفاطن، أي أن تعتمد انسيابية على وفق إيقاعات منتظمة تتكيف مع متطلبات العمل في المنهج المرسوم له، وبخلاصة مضافة أن تكون قائدة له وليس أن يسيرها هو.
لقد كتبت عن موضوع الإدارة مستعينا بالمزيد من تلك المضامين هوامش لدعم الاجتهادات التي طرحتها، بل حرصت أن أعطي أسبقيات لمفاهيم مفكرين لا يشق لهم غبار في هذا الموضوع عن الثواب والعقاب في التقويم الإداري والمغذيات اللازمة بشأن الاستراتيجيات الإدارية من حفر بئر لتوفير ماء للشرب والاستحمام والتنظيف، ولزراعة محصول، وللاستخدام الصناعي، أو الذهاب في رحلة استكشافية فلكية إلى أحد الأجرام السماوية مع يقيني أن كلا العملين (حفر البئر في العمق الأرضي، والتطلع نحو الأعلى في الفضاء الخارجي) يحكمهما قانون واحد يرتبط بمفهوم الإدارة الناجحة وإن اختلفت الوسائل الإدارية المستخدمة.
على أي حال، من استنتاجاتي التي أستطيع الدفاع عنها، ضرورة الاستنفار الإداري المتواصل الذي لا يكلف سوى المواظبة الاعتيادية اليومية على فحص إحداثيات العمل ومتابعة الخط البياني لمخرجاته مع يقيني التحسبي، أن توقع العاصفة أضمن مدخرات النجاة منها.
لا فرصة متاحة دائما لوضع اليد على كل الوقائع، ولكن الإنجاز، التبصر بها، وفي هذا الشأن لفت نظري خبير مروري في لبنان وليس في العراق!
لقد سألت مذيعة ذلك الخبير: لماذا عدد الضحايا بالآلاف من اللبنانيين سنويا نتيجة حوادث الطرق، المعدل العام السنوي وصل إلى 12 ألف ضحية، هل لك لن تختصر لي السبب؟ فأجاب بثقة: نقص أخلاقي، في ناس يتجاوزون إدارة أنفسهم إلى تجاوز إدارة الآخرين يتصرفون وكأن الطرق مناطق نفوذ لهم وهكذا يقعون تحت إغراء المنافسة، أي إزاحة الآخرين. وبمعنى مضاف؛ تصفير حقوق الآخرين رغم أن أغلب السيارات حديثة تحتوي على عقول إلكترونية توجه السائق إلى احترام قوانين المرور، والحال أيضا أجد نفسي معترفا بضرورة تطبيق ذات التشخيص على الإدارة بصورة عامة، أيا كان نوع العمل.
من أخلاقيات الإدارة التفريق الحاسم بين مفهومي الرقابة والتربص لصالح الرقابة لأن التربص يكون بنوايا هدفها تسجيل الأخطاء مع تركها تتفاقم واختيار لحظة المكاشفة المناسبة بأهداف لا تتعلق بالتصحيح الأمين على سياقات العمل الإداري، أما الرقابة بمفهومها التقويمي الرصد والتنبيه والتذكير واقتراح الحلول، ولذلك ينظر العديد من الخبراء في العلوم الإدارية إلى أن الوظيفة الإدارية في هامش مهم من هوامشها هي وظيفة استشارية لازمة بكل ما تحتوي مقتضيات المعنى.
من أخلاقيات الإدارة الترفع عن الاستمتاع المفرط بالسلطة الإدارية، أي أن يستأثر الموظف الإداري المسؤول عن أمانة تطبيقات العمل بالامتيازات على حساب الهوامش الأخلاقية اللازمة تماما كما يفعل السائق المتهور الذي يعتقد أن الشارع ملك صرف له فيقع تحت ضغط ذلك.
إن هذا النوع من الاستمتاع بالسلطة الإدارية هو أحد محركات الفساد، لأنه يقوم على شخصنة الوظيفة والتورط بإغراءات التفويض المطلق البعيد عن المشاورة واستنباط الحلول لهذا الخلل أو ذاك، وبخلاف ذلك ليست مفارقة القول إلى أن (الإداري الناجح هو الذي يستطيع تنظيم الأمور على نحو لا تعود بحاجة إلى وجوده)، وبنسخة أخرى مهمة، يضع اليابانيون أسبقية للاهتمام بالإدارة الأبوية God father يحرصون على تطبيقها، تقوم أصلا على أن يلتزم المدير إلى جانب عمله الإداري الاعتيادي برعاية موظفين وإعدادهم كمديرين، ويتلقى تقييمات على مقياس ما أنجزه في هذا الشأن خلال المراجعات السنوية لسير العمل، تماما كما ينبغي أن يقوم به رب العائلة إزاء أبنائه.
الحال أن الإدارة الأبوية تحفظ وحدة أسرة الموظفين في أية مؤسسة كانت.

إلى الأعلى