الإثنين 28 سبتمبر 2020 م - ١٠ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / موجة وراء موجة

موجة وراء موجة

د. أحمد مصطفى أحمد:
يتحسب العالم لموجة ثانية من انتشار وباء فيروس كورونا (كوفيد-19) وبدأت أعداد الإصابات بالفعل ترتفع في دول ومناطق كانت انخفضت فيها إلى مستويات سمحت لها بتخفيف الإجراءات المشددة التي اتخذت للحد من انتشار الفيروس. ورغم أن أعداد الوفيات جراء الإصابة بالفيروس أقل بكثير مما كان عليه الوضع في الموجة الأولى، إلا أن المخاوف تزيد بسبب تزامن هذه الموجة مع دخول فصل الخريف وما يحدث في انتقال الفصول من أمراض موسمية. كما أن قرب قدوم فصل الشتاء، الذي تنتشر أمراض فيروسية كالإنفولنزا ونزلات البرد، يجعل الناس أكثر تحسبا ربما لموجة ثالثة من انتشار فيروس كورونا. وهكذا، نتوقع موجة وراء موجة حتى إذا توافر اللقاح مع بدايات العام القادم.
الواضح من كل المؤشرات أن الموجات التالية من انتشار فيروس كورونا ليست فتاكة كما كانت الموجة الأولى، ولا يعني ذلك بالضرورة أن أجسام البشر كونت بالفعل مناعة طبيعية من الفيروس (أجسام مضادة). فحتى الآن، وهذا طبيعي ومنطقي، لا يمكن الجزم بأي شيء رغم الجهد الهائل الذي يبذله العلماء والباحثون والأطباء. ففي النهاية، لا يمكن للعلم أن يسير على هوى السياسة (أو بقرار)، إذ إن بروتوكولات التعامل مع الفيروسات لم تتغير كثيرا عما كنا ندرسه قبل عقود. فمنذ عزل الفيروس والتعرف على تركيبه حتى اكتشاف لقاح أو علاج له يحتاج الأمر سنوات. فما بالك والعلم ما زال يتعرف على الفيروس، خصوصا وأنه حتى الآن شهدنا أكثر من عترة (نسخة) من الفيروس نفسه، إما تطورت بطفرة داخل جسم العائل (البشر) أو في الطبيعة. وربما يصبح فيروس كورونا الجديد هذا مثل مجموعة الفيروسات التي تسبب الإنفلونزا، فهناك عشرات النسخ من الفيروس المسبب للإنفلونزا كلها تشبه بعضها، فهي من أصل واحد، وتسبب الأعراض ذاتها ويشفى المصاب بها بمقاومة جسمه الذاتية وليس بعلاج (العلاج الذي يتناوله من يصاب بالإنفلونزا يعالج الأعراض لكنه لا يتصدى للفيروس الذي يأخذ دورته في حدود أسبوع إلى عشرة أيام وينتهي).
وفي حال تكررت الموجات من فيروس كورونا الجديد هذا، واستقر الأمر على ما نعرفه حتى الآن من فترة إصابة بين أسبوع وأسبوعين، فعلينا فعلا الاستعداد للتعايش معه ليضاف إلى قائمة الفيروسات المنتشرة في الطبيعة والتي يسبب بعضها أمراضا موسمية أو غير موسمية. ويبدو أن العالم بدأ يدرك هذه الحقيقة، بغض النظر عن استمرار السعي للتوصل إلى لقاح أو علاج. وها نحن نرى مع الموجة الثانية أن الدول التي رفعت قيود الإغلاق والحجر لم تعد فرضها بالحدة ذاتها التي فعلتها مطلع هذا العام مع الموجة الأولى. صحيح أن كثيرا من الدول تعيد بعض القيود، لكنها في الأغلب المتعلقة بالصحة العامة لتقليل نسبة الانتشار حماية للمستشفيات والأنظمة الصحية من التعرض لضغط هائل في وقت واحد فتنهار. وهذا هو المغزى وراء إجراءات مثل التباعد الجسدي ولبس الأقنعة في الأماكن المزدحمة وتقليل الاختلاط إلا للضرورة. لكن مسألة توقف الحياة، ومكوث الناس في بيوتها بالكامل، وإغلاق الاقتصاد عمليا، ليست واردة لا في الموجة الثانية ولا الثالثة ولا غيرها.
في الموجة الأولى، استهجن العالم ما فعلته السويد من عدم إغلاق الاقتصاد ولا حجر الناس في المنازل. والآن بعدما بدأت نتائج الموجة الأولى تظهر ونحن نستعد للموجة الثانية تشير الأرقام والإحصاءات إلى أن السويد لم يكن الوضع بها من حيث أعداد الإصابات والوفيات بأسوأ من أي مكان آخر. بالطبع، هناك فروق في سلوكيات البشر ومدى التطور الحضري من مكان لآخر، لكن في النهاية ومع تثبيت العوامل الأخرى لم يكن “التسيب” السويدي بالضرر الذي تصوره العالم. هكذا، في الأغلب سيكون تعامل العالم مع الموجة الثانية أقرب ما يكون للنموذج السويدي في الموجة الأولى على أن يخف ذلك تدريجيا مع موجات تالية. ومرة أخرى، لا علاقة لذلك بالتوصل إلى لقاح ومدى إمكانية تطعيم النسبة الأكبر من البشر به. أما العلاج فقد اكتسب الطب خبرة معقولة حتى الآن في علاج الأعراض المصاحبة للإصابة بالفيروس ومواجهة التطورات التي تحدث في جسم البشر كرد فعل على الإصابة. حتى رد الفعل هذا، لا يتوقع أن يكون في الموجة الثانية بذات خطورة الموجة الأولى.
لا يعني ذلك أن بعض الإصابات مميتة، وأن من يعانون من أمراض مزمنة عليهم اتخاذ احتياطات أشد خشية التعرض للإصابة لأن احتمالات رد فعل أجسامهم قد تؤدي إلى مضاعفات مميتة. الخلاصة، أن المرحلة الحادة من وباء فيروس كورونا قد لا تزيد عن الموجة الثانية أو الثالثة، وبعد ذلك سيكون على البشرية التوصل للطريقة المثلى للتعايش مع هذا الفيروس. وبمرور الوقت، سيصبح مثله مثل فيروسات الإنفلونزا والبرد. بل ربما حتى ينحسر بشدة كما حدث مع فيروسات أخرى من العائلة التاجية (كورونا) مثل سارس وميرس من قبل. وحتى ذلك الحين يظل الالتزام بتعليمات السلطات الصحية في الدول والمناطق المختلفة في غاية الأهمية، خصوصا من قبل كبار السن ومن يعانون من أمراض مزمنة.

إلى الأعلى