الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. واأمتاه ..!

باختصار .. واأمتاه ..!

زهير ماجد

.. وعندما يطل الغربي على بلاد العرب في هذه الأيام العجاف، فهل يراها كما كان في السابق .. بل عندما يطل العربي على بلاده فهل يعرفها أم أنه يتعرف عليها، هذا إذا فهم وقائع أمورها، واذا عثر على تحدياتها الكبيرة قبل الصغيرة.
تغيرت الخرائط، وتغيرت الظروف والوقائع وتغيرت المدن الكبرى والصغرى والأرياف أضحت غيرها فيما مضى .. عالم سريالي صار، هو الوطن العربي إن بقي له اسم ما زلنا نصر عليه، نحن المتخلفون بنظر اصحاب الخرائط الجديدة، أو أولئك المنظرين الذين لا حلم لهم سوى رؤية المشهد عن بعد.
كل شيء تغير، المكان والإنسان، المكان بشكله ومساحته وبطوله وعرضه من قسمة السودان المفتوحة أيضا، إلى ليبيا المتوحشة، وسوريا المتوحش عليها، والعراق المتورط بدمه، ولبنان السائر إلى اللا شيء ومصر المطحونة بلقمة العيش لكنهم يلاعبونها بالدم، باستثناء تونس التي اقترعت كأنها ليست من الوطن الكبير ولا الصغير، كأنها مساحة مرمية خارج النص العربي.
ويا ليت التغيير كان للمصلحة العامة، عندما سئل كيسنجر وهو الرجل الدموي المعروف عن الفرق بين الأمس واليوم، قال ان الأمس كان فيه انسانية، اما اليوم فكيف عليك ان تتقبل ثمانية عشر جنديا يذبحون على الشاشات أمام عينيك.
رهيب الوطن العربي، لم يعد له وجه، صار لونه دم ابنائه، وصار مستقبله غبار صحرائه وسرابها .. صار كأنه موجود بحكم الحاجة إلى خاماته فقط، أما شعبه فليس له ان يعيش، أو يحلم، أو يفقع ضحكة من قلبه .. صورة وطن لا صورة لها، كأنما اهتزت يد المصور فبدت كأنها غيرها نتيجة الالتواءات. صورة كهذه تمزق عادة، هكذا يحصل لهذا” الوطن ” الذي قلنا اننا نشك ببقائه على خريطة العالم الذي يتابعنا، دون ادنى اهتمام بمصيرنا، سوى انه كلما احتجنا إلى السلاح اعطانا بفرح، وكلما فتشنا عن سكاكين حادة صنعها كما يحلو لأعناقنا.
رهيبة تلك المساحة المسماة سابقا بالوطن العربي الذي تغير .. صحيح ان الأرض بتضاريسها ثابتة، لكن مشهد الإنسان عليها مشكلة المشاكل. اذ ليس من مسيء سواه، وليس من مكابر على محنته الا هو، وليس من قابل بالتوهان الا هو .. انه الإنسان العربي الذي تموت بالتقسيط تواريخه المحفوظة في الكتب بعدما فضحت الذاكرة شيئا من ماضيه..
صديقي المرحوم الشاعر سليمان العيسى كما كتبت ذات مرة احرق كتبه ومخطوطاته وصمت سنينا يوم وقعت هزيمة العام 1967، فماذا لو بقي حيا ليرى بلده سوريا على حال ليست كما يعهدها، ووطنه العربي الذي كتب له ذات مرة انشودته التي تغنيها المجموعة ليقول فيها ” من المحيط الهادر / الى الخليج الثائر / لبيك عبد الناصر”.
كل فرد عربي واع لما يجري حاقد على حاضره، يعيش تحت ظلال ماض مضى ولن يعود. كثير من الألم يعتصرنا في هذه الأيام، لكن ماذا نفعل غير الترحم .. صرخة “وامعتصماه ” لتلك المرأة صارت واأمتاه بأصوات نسوتنا واولادنا واحفادنا ورجالنا الذين حملوا سلاحهم ذات يوم وصدقوا ان التحرير قادم.
أظنني ما زلت لا أصدق رغم ما أراه أمامي من مشهد.

إلى الأعلى