الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 م - ٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: عودة كورونا للواجهة.. من المسؤول؟

في العمق: عودة كورونا للواجهة.. من المسؤول؟

د. رجب بن علي العويسي

كورونا ذلك المرض الخفي الذي حيَّر العلماء، وحار في أمره الأطباء، وتساقط أمامه جبروت القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية العالمية، فلم تعد أمامه من قوة بشرية قادرة على المواجهة، أحرج مؤسسات التعليم ومراكز البحث، وبعد أكثر من عشرة شهور لم يتفق العالم على لقاح أو مصل يثق في استخدامه، ومع المخاوف التي تثار من احتمالية قدوم موجة ثانية من الفيروس أشد خطرا وأكثر إرهاقا للمنظومة الصحية، إلا أن الموجة الأولى لم تنته، وما هي سوى أسابيع قليله انخفضت فيها أعداد الإصابات مع توقف إجراء الفحوصات عدا الحالات الطارئة جدا؛ إلا أن أعداد الوفيات ظلت على مستواها من الارتفاع، ومع أن نسبة التعافي والشفاء قد وصلت في السلطنة إلى نحو 94% في ظل انخفاض أعداد الإصابات بالفيروس، إلا أن النسبة تراجعت من جديد لتصل إلى (92%) في ظل الارتفاع الحاصل في أعداد الإصابات، وسجل يومي الأربعاء والخميس 16-17 سبتمبر 2020 على التوالي (536/557) حالة بزيادة 21 إصابة جديدة، كما ارتفع عدد حالات الوفيات لتصل 13 حالة في ظل استمرار ثبات أعداد الوفيات اليومية التي تراوحت بين(10-8) حالة وفاة يوميا، مما يعطي مؤشرات بعودة الحالة الوبائية من جديد، وبالتالي أهمية إعادة مسار التعامل مع الإجراءات الوقائية والتدابير الاحترازية التي انتهجتها السلطنة ممثلة في اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن فيروس كورونا (كوفيد 19) إلى الواجهة ومنحها المزيد من الرصد الدقيق والمتابعة الفورية وإعادة إنتاج الواقع الجديد في ظل هذا التحول الحاصل في التعامل مع الفيروس، ولعل أعداد الوفيات اليومية من الشباب والصغار والكبار أصبحت هاجسا يدق ناقوس الخطر ويعطي إشارة البدء بالتحرك الفوري لتوفير مساحة أكبر من الحماية للمواطن في ظل استمرار هذه الجائحة وعدم وجود مؤشرات واضحة على انتهائه أو دلائل مختبرية فعلية في قرب انحساره وتلاشيه.
ولعل المفهوم السائد للتعايش مع كورونا في الفترة الثانية من بدء الفيروس والذي تزامن مع بدء فتح جملة من الحزم الاقتصادية التجارية والصناعية والخدمية والتي أخذت فيها اللجنة بمبدأ التدرج بحسب طبيعتها مع التأكيد على منع الأنشطة التي تتيح فرصا للتجمع، وما صاحبها في المقابل من البدء التدريجي بالسماح بعودة الموظفين إلى أماكن عملهم بنسب مختلف حسب مؤشرات الحالة الوبائية، وبعد كل هذه الجهود التي قدمتها اللجنة العليا المكلفة وما اتخذته في سبيل تحقيق مهمتها من أطر واستراتيجيات وانتهجته من أدوات وأساليب عززت من كفاءة إدارة الوضع الوبائي والحد من تأثيره وانتشاره، وأعطت الفرصة لاستشعار المواطن والمقيم لمسؤولياته في الحد من انتشار الفيروس ونقل المسؤولية من الدولة إلى المجتمع، وما اتخذته في ظل سياسة الإغلاق الليلي والمنع الشامل للتنقل لكل المحافظات تزامنا مع عيد الأضحى المبارك، وما أفصحت عنه الحالة من انخفاض في أعداد الإصابات، كل ذلك وللأسف الشديد أعطت المواطن مساحة أكبر في التنازل عن ما صنعه من مواقف فعلية مشرفة والتزام قل حضوره في أي وقت مضى وتضحيات جسيمة في مواجهة الفيروس، فمع التزامه بلبس الكمامة إلا أن عملية التفاعل اليومي واللقاءات الأسرية والتجمعات العائلية والرحلات والزيارات للأماكن السياحية في ظل فتح بعض المرافق كالشواطئ والبيئات العامة، ساهمت في خلق فجوة في التوقعات وأثارت مساحة الاستغراب في النتائج المرتقبة، وكان المعتقد أن المرض إلى انحسار وأن تأثيرات الجائحة بدأت تقل وتخف من وطأتها وأنها تتجه إلى التلاشي، وأن الأعداد القليلة من الإصابات في الأسابيع التي جاءت بعد إجازة عيد الأضحى لم تكن مؤشرا إيجابيا موثوقا في فقه المواطن والمقيم حول الأزمة والظروف التي تعيشها والفرص التي قد تتيح لها إعادة الدوران كونها غير مأمونة تصنعها الظروف وتنميها المتغيرات الحاصلة في البيئة الوطنية الطبيعية للحالات المدارية والبشرية لجائحة كورونا.
من هنا يطرح هذا التحول الحاصل والتذبذب في وضع فيروس كورونا (كوفيد19) وعدم وضوح المسار الذي يتجه إليه في ظل ما شهدته الآونة الأخيرة من اختلاف لبعض الأعراض المقرة من قبل الأطباء، وتباينها بين المصابين واختلافها بين فرد وآخر نظرا لأسباب عدة ومتغيرات ترتبط بمستوى القوة المناعية لدى الفرد، وإصابته بأمراض مزمنة من عدمه أو تناوله للأدوية المثبطة للمناعة، وهو ما يلقي بظلاله على الوضع القادم وأهمية التفكير في مسارات أخرى أكثر ابتكارية وتحقيقا لهدف منع الانتشار والحد من ارتفاع أعداد الإصابات بالإضافة إلى الحد من استمرار أعداد الوفيات في الارتفاع رغم ثباتها، إلا أنها باتت تشكل رقما صعبا مقارنة بأعداد السكان والإصابات اليومية بالسلطنة، بما يؤكد على أهمية العودة بقوة لتجديد مسار الوعي وتعزيز أطر التوعية المجتمعية بشكل يعيد البدايات الأولى لانتشار المرض في تكاتف الجهود وتقاسم المسؤولية وتمكين المواطن والمقيمين على حد سواء من القيام بدوره في التعاطي مع فيروس كورونا، سواء عبر التقيد بإجراءات السلامة والصحة العامة وغسل اليدين ولبس الكمامات أو ما يتعلق بالتغليظ في العقوبات والمراقبة المستمرة للوضع العام للوقوف على مبادئ التكاتف المجتمعي واستشعار الأزمات والمخاطر المؤصل لمبدأ التقيد بإجراءات التباعد الاجتماعي والاتصال الجسدي والحد من الزيارات واللقاءات العائلية واستدراك الجميع لمسؤوليته في رسم مسار التعامل مع هذا المرض في ظل المؤشرات الوبائية المستجدة، بما يضع الجميع أمام مسؤولية زيادة جرعات التوعية والتثقيف المتبادل وتأطيرها وفق مداخل سيكولوجية ونفسية وفكرية مراعية الخصائص العمرية والصحية والنوعية في هذا الشأن ونقلها إلى مسار الاحتواء والتأثير، وإحداث تحول في سلوك المجتمع، خصوصا في ظل بدء العد التنازلي لدوام الهيئات التدريسية والإدارية والوظائف المرتبة بها في المدارس ومؤسسات التعليم الأخرى في ظل قرار اللجنة المكلفة، وبالتالي كفاءة الضمانات ومعايير السلامة التي يجب أن تتوافر في بيئات العمل والمدارس، وتوقعات احتمالية زيادة الإصابات إن لم يتم ضبط المسألة وإعادة قراءة مسار العمل والتنبه لبعض الإخفاقات التي أدى تعامل المجتمع معها وتساهله فيها إلى تزايد انتشار الفيروس حيث وجد فيها بيئة خصبة للانتشار والتوسع باعتبارها أماكن تتيح مجالا للتجمع والاختلاط المباشر.
وعليه، فإن الارتفاع في أعداد الإصابات يؤكد أهمية استعادة المسؤولية المجتمعية ونقلها من الدولة إلى الفرد المواطن والمقيم على حد سواء والذي اتجهت إليه السلطنة مع بدايات الجائحة وحتى نهاية يوليو والربع الأول من أغسطس 2020 في تعزيز الوعي وترسيخ استمرار تحقق المسؤولية الذاتية وكفاءة مسار التوعية الذي يرتبط بتوفير بنية معلوماتية واقعية قادرة على تصحيح المسار وإعادة إنتاج التفكير في التعامل مع أسباب هذا الالتفاف الحاصل من الفيروس وعودته للواجهة مرة أخرى بالشكل الذي يتيح تبني آليات جديدة يطبقها الفرد على نفسه وأسرته ومجتمعه وفي بيئات العمل، بالإضافة إلى تعزيز كفاءة مسار الضبطية وإنتاج القوانين والتشريعات التي تحمي الفرد من نزغة النفس الأمارة بتجاوزه للمحظور أو تساهله في التعاطي مع الواجب المأمور به، وحالة السلوك السلبي والاستهلاك المريب للأفكار العشوائية والمعلومات الهامشية في التعامل مع جائحة كورونا، وما يحمله استهتار البعض وتجاوزه للخطوط الحمراء المتاحة له ظنا منه بأن أيدي العدالة لن تصل إليه أو أنه غير مراقب من الجهات الأمنية المعنية، فيتصرف بحمق وكأنه يعيش لنفسه ولعالمه الخاص متناسيا أن هناك من يعاني من مرض كزمن أو كبير في السن وضعيف في المقاومة المناعية لديه، في حين أن الفيروس ما زال حاضرا وبقوة في الساحة الاجتماعية وتعاني منه الكثير من الأسر، في ظل موت الضمير وغياب حس الشعور بقيمه الالتزام وأهمية الإبقاء على التدابير سارية المفعول، لذلك زادت الممارسات غير المسؤولة وضعف مستوى الالتزام وغياب مفهوم التباعد الجسدي والعائلي عند الكثير من الناس، والنتيجة زيادة الانتشار واستمرارية الاتساع وقوة التأثير النفسي والجسدي الذي أصاب حياة الناس.
من هنا وجبت الإشارة إلى أهمية أن تعيد اللجنة العليا مسار العمل في التعامل مع الفيروس من جديد بما يتوافق مع مبدأ العودة الآمنة والتدرج في فتح حزمة الأنشطة الاقتصادية الصناعية والتجارية والخدمية وغيرها، بحيث تستفيد من كل المعطيات السابقة والفرص الماضية والتوجهات الحكيمة التي انتهجتها، ومع أنها أثبتت كفاءتها في إدارة الجائحة إلا أن طبيعة ما يحمله هذا الفيروس للمستقبل المجهول وصعوبة الجزم بمساره، ناهيك عن تزايد اللغط الإعلامي والأحاديث غير الموثقة بشأنه، وكثرة الوصفات الطبية التي أسهمت في تعقد الوضع وإحداث التناقض في تشخيص المرض، بما يؤكد الحاجة إلى تبني سياسات أخرى مغايرة للمعتاد أكثر ابتكارية وتجديدا وتحديثا ترتبط بتغير الحالة الوبائية والظروف الجديدة التي بدأت تتعايش معها، وتوضيح الصورة الواقعية للمجتمع مع الإبقاء على مسار التوازن في الخطاب والبعد عن النمط السلبي والتهويل في الحديث، لضمان قدرة الهاجس الوطني على استيعاب متغيرات الحالة والتكيف مع التباينات الحاصلة، وتعزيز النظرة التفاؤلية مع الكشف عن الحالة العمانية بكل تفاصيلها، لضمان الوصول إلى إطار عمل مشترك يضمن مسؤولية الجميع في التعاطي مع هذه الجائحة وتكاتف الكل في إدارة منصاتها بحسب المستجدات الحالية والظروف التي تتناغم مع معطيات الواقع اليوم؛ ولعل من بين الأمر التي نؤكد عليها ضرورة أن يكون اللقاء الصحفي مرحلة متقدمة لقرار اللجنة، بحيث يحوي قرار اللجنة خيوط عمل واضحة محددة المعالم في ظل نواتج التشخيص والتحليل والقراءة والرصد للحالة الوبائية عامة، والرصد لما يطرحه المجتمع أو ما يطرحه المواطن من أفكار ويثيره من مخاوف وتساؤلات بين يدي اللجنة وفي منصات التواصل الاجتماعي والحسابات الحكومية حول وضع السلطنة، بالإضافة إلى ما يتيحه المؤتمر الصحفي للجنة من فرص التعرض لبعض الجوانب ذات العلاقة في ظل ما يطرح من تساؤلات ونقاشات الإعلاميين والمتخصصين، وما تتطلبه المرحلة القادمة من جهود أخرى يتم التركيز عليها وتوفير بدائل واستراتيجيات وحلول قادرة على سبر أعماق الواقع وإعادة تصحيح المسار وضبط آليات التعامل معه، إذ من شأن الاستفادة من كل هذه الأطر والجهود والمنصات الحوارية والتفاعلية مع قراءة ورصد مستمر للتوجهات العالمية ومنظمة الصحة العالمية مراعية خصوصية كل دولة والمشتركات التي تجمعها بالسلطنة في بناء موجهات عمل للحد من انتشار الفيروس، من شأنه أن يؤدي إلى توفير أرصدة فكرية وأدوات وآليات عملية تنفيذية تصنع القوة في مواجهة المرض وتقلل الإشكاليات الناتجة عن تباين الرؤى والأفكار وشخصنة الأحداث.
أخيرا، يبقى القرار بأيدي المجتمع بكل شرائحه وأطيافه ومؤسساته في رسم علامة مضيئة على احترام تعهداته والإيمان بمبدأ الالتزام كونه صمام الأمان في معادلة مواجهة كورونا، وتأصيل معايير الرقابة الذاتية والمسؤولية الشخصية وعدم الالتفات للدعوات التي باتت تتجه إلى المزيد من المرونة مع ما يلاحظ من تدني في مسار الوعي والحس المسؤول، وبالتالي أن يتجه الحل إلى إقناع المواطنين والمقيمين بأن كورونا ما زال حيا يرزق وأنه يعيش القوة بسبب حالة الاستهتار وعدم المبالاة التي يمارسها البعض على الرغم من أن العيش في الظروف الصعبة والأزمات والجوائح تعني إبقاء مساحة من الحذر المستمر والتعاطي الواعي مع كل التفاصيل اليومية، والمزيد من الانتباه والتركيز على القوانين والتشريعات التي تمنع من انتشار المرض وتقلل من مخاطره على حياة الإنسان، هذه القناعات بحاجة إلى أدوات منظمة وآليات مبتكرة ومداخل تأثير واحتواء فاعلة تمارسها مؤسسات التعليم والمساجد وبرامج الوعظ والإرشاد ـ لا تعني فتحها بقدر تفعيل دور القائمين عليها ـ بحيث تصنع منها محطة انطلاقة لبناء الوعي وترسيخ القيم الموجهة نحو مواجهة كورونا انطلاقا من مبادئ الدين الحنيف التي تمنع الضرر وإلقاء النفس في التهلكة وتعريضها للخطر، ووضع الناس أمام صورة مكبرة للواقع على الجميع أن يدرك فيه موقعه من المسؤولية التي عليه أن يحققها، والالتزام الذي يجب أن يصنعه، فالحذر من الفيروس واجب والانتباه لمخاطرة مطلوب، والثقة الزائدة في النفس يجب أن تتحول إلى منعها من التهلكة وإيقاع الضرر بها وبغيرها، فإن أعداد الوفيات التي باتت تقترب من الألف شخص دعوة للجميع إلى عدم الاستهانة بالمرض، وأخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الوقوع في ما لا تحمد عقباه، وعندها ولات ساعة ندم، فإن ما يثيره كورونا من الدهشة والاستغراب في طبيعة التحول التي ينتهجها بمجرد التصاقه بالجسد البشري، يجب أن يثير في البشر أيضا أهمية اتخاذ الإجراءات الحازمة والحذر الشديد والمواجهة الصريحة بالابتعاد عن كل المسببات التي تصنع له حضورا بين أبناء المجتمع أو تتيح له فرص الانتشار، فلم يعد المرضى بفيروس كورونا من المسنين والأطفال وحدهم، ولم تكن كل حالات الوفيات منهم أيضا؛ بل تعدت الشباب ومن يمتلكون الصحة البدنية والقوة الجسدية ويمارسون الرياضة بصورة مستمرة ولا يعانون من أمراض مزمنة، فإن الأشهر السابقة كفيلة ببناء الردع الذاتي في النفس وصناعة الهاجس الشخصي في السلوك ورؤية مشاهد الواقع رأي العين وسمع الأذن؛ فإن الأحداث التي ارتبطت بالجائحة والمواقف الصعبة التي عاشها الجميع في فترة المنع والإغلاق حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وما عانه الجميع من ضرر إغلاق المنشآت الاقتصادية الصناعية والتجارية والخدمية وغيرها وفرحة الاستبشار بعودة الحياة إلى طبيعتها، كفيلة بإيضاح الصورة ووصف الواقع لترسم علامة فارقة تظهر في واقع السلوك اليومي يترجمها الفعل ويصدقها السلوك ويبنيها الضمير الحي الذي يدير حركة التغيير في النفس وتوفير مساحات الأمان والوقاية والحفظ لها، فهل سنعيد قراءة كورونا من جديد ونتعامل معه بحذر؟ أم نغتر بما نحن عليه من انفتاح وفترة أمان وسماح لنتفاجأ بإجراءات قادمة لفيروس كورونا المجهول قد تعيد الأمر إلى سابق عهده؟

إلى الأعلى