الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ماذا تعني “يهودية إسرائيل”… وكفى تلاعباً بالألفاظ!؟

ماذا تعني “يهودية إسرائيل”… وكفى تلاعباً بالألفاظ!؟

د. فايز رشيد

”عند إنشاء الدولة الإسرائيلية رسميًّا في عام 1948، وفي بيان الإعلان عنها، تم التأكيد على عدة مبادئ من بينها: “الدولة اليهودية” و”قانون العودة”، وبموجب هذين المبدأين: فإن”إسرائيل ملتزمة بلم شمل اليهود من مختلف أنحاء العالم، ومن يتهودون، وهؤلاء لهم الحق في العودة، والحصول على الجنسية، والعيش في إسرائيل كمواطنين إسرائيليين”.”
ـــــــــــــــــــــــ
إسرائيل تصنع حقائقها وتفرض الفهم الذي تريد “ليهوديتها”.. والعديد من سياسيينا ومحللينا وقانونيينا في مقالاتهم وتعليقاتهم على الفضائيات … “يلتهون” بالتفسير اللفظي واختراع الفوارق ما بين تعبيري: “يهودية إسرائيل” و”إسرائيل دولة الشعب اليهودي”! وكأن فرقا هناك؟. أميركا وفرنسا اعترفتا “بيهودية إسرائيل” منذ فترة، وفقا للفهم الإسرائيلي لها! البعض من المحللين والقانونيين والسياسيين ينكر ذلك متحججا، بالقانون الدولي! القانون الدولي في عصر الغاب الذي نعيشه: هو فهم الأقوياء له. ثم إن “الحق” إن لم تسنده قوة، يصبح في عرف الأقوياء المتحكمين بالعالم .. “ظلما” ولا يلتفت أحد إليه، والظلم يصبح “حقا”. كأن البعض منا لا يفهم هذا الأمر، أو لا يريد أن يفهمه! مقدمة لا بد منها .. هي رد موضوعي على نقاشات عديدة جرت على الفضائيات في اليومين الأخيرين.
صادقت حكومة الكيان الصهيوني (الأحد 23 نوفمبر الحالي 2014)، على مشروع قانون سيجري عرضه قريبا في الكنيست للتصويت عليه بقراءات ثلاث، ليصبح قانونا يجري تطبيقه رسميًّا. حتى من دون تصديق القانون، فإن الواقع يؤكد: تطبيق تداعياته منذ إنشاء الكيان حتى اللحظة. مشروع القانون سيجري إقراره حتما، لأن التحولات في إسرائيل في العقد الأخير من القرن الزمني الحالي، وكما تشير استطلاعات كثيرة تنشرها الصحف الإسرائيلية بين الفينة والأخرى، تتصاعد بخطى متسارعة باتجاه المزيد من الفاشية والتطرف. من أجل تأكيد كل ما سبق، أرى من الضروة بمكان: استعراض هذا الأمر منذ بدايات طرحه وصولا إلى اللحظة الحالية، هذا أولا . ثانيا، انطلاقا من تأكيد الوقائع وحقائقها الدامغة. حول كل ذلك إليكم ما يلي:
قبل إنشاء الكيان: مؤتمر كامبل بنرمان الذي عقدته الدول الاستعمارية الأوروبية واستمرت جلساته المتباعدة من عام 1905 ـ 1907 وفي أحد قراراته نص على: إقامة دولة في فلسطين تفصل شطري الوطن العربي في آسيا وإفريقيا تكون صديقة لأوروبا وعدوة لسكان المنطقة دولة لليهود. لم يكن ذلك بمعزل عن بدء ظهور القوميات في أوروبا، وما صاحبه من انتقال من عهد الإقطاع إلى الرأسمالية، الأمر الذي فتح عيون بعض القيادات اليهودية على أهمية تشكيل “القومية اليهودية” التي بدأت إرهاصات تحولاته من “صهيونية دينية” إلى “صهيونية سياسية” تبلورت فيما بعد في ظهور الحركة الصهيوني. جاء وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 ليؤكد على “أهمية إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين”. قرار التقسيم رقم 181 الصادر في الـ 29 من نوفمبر عام 1947 نص على إنشاء دولتين في فلسطين “دولة يهودية” ودولة عربية. ذلك يظهر الخلفية التي انطلقت منها الدول الغربية والاستعداد المبكر لها للاعتراف لاحقا “بيهودية إسرائيل”.
عند إنشاء الدولة الإسرائيلية رسميًّا في عام 1948، وفي بيان الإعلان عنها، تم التأكيد على عدة مبادئ من بينها: “الدولة اليهودية” و”قانون العودة”، وبموجب هذين المبدأين: فإن”إسرائيل ملتزمة بلم شمل اليهود من مختلف أنحاء العالم، ومن يتهودون، وهؤلاء لهم الحق في العودة، والحصول على الجنسية، والعيش في إسرائيل كمواطنين إسرائيليين”. هذا إضافة إلى الاستمرار في الترويج لمفهوم”الشعب اليهودي”و”القومية اليهودية” و”الأمة اليهودية”. منذ تلك اللحظة فإن إسرائيل تسعى لتحصين”يهودية دولتها”. من وإبّان تسلم تسيبي ليفني لحقيبة الخارجية، عملت على إعادة إحياء هذا الشعار القديم الجديد (هذه التي يعتبرونها من جناح الحمائم، وإمعانا في التغطية على سياساتها، صوتت ضد مشروع القرار!) إيهد أولمرت راكم على عملية التحول. نتنياهو وعند تسلمه رئاسة الحكومة الإسرائيلية أخذ هذه الفكرة وطورها إلى، ضرورة اعتراف دولي بها. بالفعل اعترفت به: الولايات المتحدة ( أوباما اعتراف أوباما بيهودية إسرائيل، ومطالبة فيليب كراولي للفلسطينيين بالاعتراف بها “يديعوت أحرونوت” 12 أوكتوبر 2010) وفرنسا (اعتراف ساركوزي بيهودية إسرائيل، مايو 2011 أثناء استقباله لنتنياهو على عتبات الإليزيه). لم يكتف نتنياهو بذلك بل أخذ يشترط على العرب والفلسطينيين: الاعتراف بذلك مقابل إجراء التسويات (والتي هي حلول إسرائيلية) للصراع مع الطرفين.
كترجمة عملية لهذا الشعار، بدأت إسرائيل في سن مشاريع قوانين في الكنيست توضح وتفصل فيها الأسس الاستراتيجية القانونية للشعار. لقد سارع رئيس كتلة الائتلاف الحكومي السابق (إبان الكنيست السابقة) النائب المستوطن ياريف لفين إلى إعادة ما يسمى” قانون دولة القومية” وهو مشروع قرار كانت قد اقترحته الأطراف الأكثر تشدداً في الكنيست آنذاك، وبسبب من حل الكنيست (في حينها) لم تتم قراءته الثانية والثالثة ليصبح قانوناً . خلال الكنيست الحالية (وهي الأكثر تطرفاً من السابقة)، فإن صياغة القانون تحولت إلى “أرض إسرائيل هي وطن الشعب اليهودي”. ليس هذا فقط، وإنما تمت صياغة قانون آخر سيجري تقديمه إلى الكنيست الحالية تحت عنوان “اللوبي من أجل أرض إسرائيل”. في الشرح (المبُهم) للقانون يحدد “أرض إسرائيل” بــ”أرض فلسطين التاريخية” التي تعني كل فلسطين عمليًّا (من النهر إلى البحر) . تطور الأمر إلى مشروع القانون الحالي الذي أعده النائبان زئيف إلكين من “حزب الليكود” وإيليت شاكيد التي تنتمي إلى “حزب البيت اليهودي” . القانون سيقطع الطريق على أية حكومة إسرائيلية حالية أو قادمة، للانسحاب من الضفة الغربية (التي هي بالمفهوم الإسرائيلي يهودا والسامرة). وبذلك سوف لن يتم إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف من الظروف، هذه هي المرحلة الأولى.
مشروع القانون الحالي ينص على أولا : “دولة إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي (في العالم بالطبع) الذي يطبق فيه طموحه لتقرير المصير بموجب تراثه وثقافته وتاريخه”. ثانيا: إن تقرير المصير في دولة إسرائيل يخص فقط الشعب اليهودي”. جاء المشروع بصيغة “إعطاء الأولوية في التطبيق القانوني، للقيم اليهودية”. أي أن المرجعية الأساسية لتفسيرات القوانين الإسرائيلية هي “القيم اليهودية” وليس النظام الديموقراطي (الذي تدعيه إسرائيل). في التفسير العملي للمشروعين السابقين (قبل المشروع الأخير) يرد في ملحقيهما التوضيحيين: الحق في الحصول على الأرض والمسكن هو لليهود فقط. كما يدعو مشروعا القانونين إلى شطب اللغة العربية كلغة رسمية ثانية في الكيان الصهيوني. هذا له أساس قانوني في إسرائيل، إذ من المعروف أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة مناحيم بيجين قامت بتحصين الطابع اليهودي للدولة في القوانين والتعليمات الإسرائيلية فيما يتعلق بقرارات محكمة العدل العليا، وذلك بإصدار قانون ينص على ما يلي: “عندما تواجه المحكمة بسؤال قانوني يتطلب قراراً لا يوجد له جواب في القانون الوصفي – قانون الحالة- أو من خلال التحليل، “يتوجب على المحكمة أن تقرر في ضوء مبادئ الحرية العدالة المساواة والسلام الخاصة بالتراث اليهودي”.
كما يُلاحظ، فإن شعار يهودية الدولة جرى على مراحل، ولم تكن إسرائيل في إقراره متسرعة وإنما يجيء التطبيق بعد فرضها لوقائع كثيرة على الأرض، حيث هناك تقبل فلسطيني رسمي وعربي رسمي لوجودها في المنطقة، ولذلك كانت اتفاقيات أوسلو وكمب ديفيد ووادي عربة. إن “يهودية إسرائيل”.. تعني:
أولاً: اعتراف بالأساطير التضليلية للحركة الصهيونية: “شعب بلا أرض، لأرض بلا شعب” و “فلسطين الوطن التاريخي لليهود”، و”أرض الميعاد”، “الحق التاريخي لليهود في فلسطين” وغيرها. ذلك يعني صحة هذه الرواية لتاريخ فلسطين منذ ثلاث آلاف سنة قبل الميلاد وحتى هذه اللحظة. ثانياً: إسقاط قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحقوق الفلسطينية بما في ذلك حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة دولة مستقلة مثل باقي دول العالم، كما يعني صحة ومشروعية “تهويد القدس”، وبأن”المدينة المقدسية هي العاصمة التاريخية والأبدية لدولة إسرائيل” وصحة وجود هيكل سليمان في مكان المسجد الأقصى. وإضفاء شرعية على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في عام 1967. ثالثاً: صحة ودقة التعريف الإسرائيلي لمفهوم “الأمن” وأن من واجب السلطة الفلسطينية والدول العربية كافة العمل للحفاظ على هذا الأمن، وأنه ممنوع على الدول العربية ودول المنطقة (التي تهدد إسرائيل) امتلاك أية أسلحة ثقيلة قد تهدد الأمن الإسرائيلي، لا الآن ولا مستقبلاً.. رابعاً: الاسقاط الرسمي النهائي لحل الدولتين، ولحل الدولة الديموقراطية الواحدة، والدولة الثنائية القومية. فلن يعيش في فلسطين سوى اليهود. خامساً: إمكانية إجراء ترانسفير لأهالي منطقة 48، وقد بدأت إسرائيل هذه الخطوة باقتراح نقل منطقة المثلث (المكتظة بالفلسطينيين ـ حوالي 300 ألف فلسطيني) إلى مناطق السلطة الفلسطينية وكذلك دعوة نتنياهو عرب 48 إلى الرحيل. سادسا: حق إسرائيل في الاستيطان في الضفة الغربية (باعتبارها أرضاً إسرائيلية). ويعني صحة الخطوة الإسرائيلية في طرد وتهجير حوالي ثلاثة أرباع مليون فلسطيني في عام 1948 والاستيلاء على أراضيهم وغيرها من أشكال الاعتراف بما تقوم به إسرائيل. سابعا : (كذب) الرواية العربية الإسلامية عن فلسطين. ثامنا: استعمال القانون كسابقة للمطالبة “بدولة إسرائيل الكبرى” حين تسمح الأوضاع والظروف الدولية”.
يبقى القول: إن إسرائيل تدرك ما تعنيه “يهوديتها” لذا تصر على الاعتراف الفلسطيني والعربي بهذا الشعار؟!. وللأسف في كثير من الأحيان نفتقد إلى ربط الأحداث بعضها ببعض، كما أن البعض ينسى أو يتناسى حقيقة هذا العدو … أو هو لا يعرف حقيقته من الأساس!.

إلى الأعلى