السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رسائل القدس الحاسمة

رسائل القدس الحاسمة

علي بدوان

” …، إن الأجواء الفلسطينية المُحتقنة من جهة، والمُبشّرة من جهة ثانية في الوقت نفسه، في القدس وعموم الضفة الغربية، والمُلبدة بغيوم النهوض الوطني القادم، لا يمكن لها أن تَشُقَ طريقها بنجاح وسط سيادة حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني، ووجود التنافر بين قطبي المعادلة الفلسطينية، ونقصد بين حركتي حماس وفتح، وهو التنافر الذي عاد للسطح بعد الأحداث الأخيرة وتواتر التسخين الإعلامي،”
ــــــــــــــــــــــــــ
بعيداً عن تقييم الأساليب الجديدة التي اشتقها الفلسطينيون في القدس وعموم الضفة الغربية في مواجهة الاحتلال ومجموعات المستوطنين المسلحين، كعمليات الطعن بالسكاكين والمدي و(الشباري)، وعمليات الدهس بالسيارات التي وقعت خلال الأيام الماضية، واستهدفت عدداً من جنود الاحتلال ومجموعات المستوطنين، وقد امتدت من القدس إلى الخليل جنوب الضفة الغربية، والتي قد يتحفظ البعض عليها، إلا أنها جاءت كرد فعل طبيعي لممارسات الاحتلال ومشاريعه التهويدية التي أكلت الأخضر واليابس، وعلى سلوك مجموعات المستوطنين المسلحين.
إن تلك الأساليب الجديدة، التي وجدها النشطاء من شباب فلسطين، لا يمكن لها أن تُشكل البديل على طريق ردع الاحتلال نهائيًّا، وهزيمته، لكنها تُشكِّلُ مَدخلاً مُهماً من أجل إعادة النظر بمسارات العملية السياسية الميتة أصلاً، وتثمير كل الوسائل والإمكانيات الكفاحية الفلسطينية، وفتح الطريق أمام انبثاق وميلاد انتفاضة شعبية فلسطينية عارمة جديدة، تعيد التوازن للعملية السياسية المُختلة. انتفاضة شعبية عارمة تَقلب كل المعطيات القائمة راهناً كما فعلت الانتفاضة الكبرى الأولى التي انطلقت نهاية العام 1987 والتي أعادت قضية فلسطين إلى أجندة المجتمع الدولي بقوة وحرارة.
وعليه، إن تلك الأساليب الجديدة في أعمال المقاومة الشعبية، تَحمِلُ رسائلها وتعبيراتها البليغة والفصيحة، التي وصلت إلى الجميع وبدأت بدق الجدران، وبتحريك الوضع في فلسطين، وحتى داخل حكومة نتنياهو وائتلافه الحكومي وداخل عموم الخريطة السياسية والحزبية “الإسرائيلية”.
إن أولى تلك الرسائل تقول بأن الاحتقان وصل إلى حدوده العليا عند عامة الناس من أبناء فلسطين، وخصوصاً المقدسيين منهم، مع استمرار سياسات الاحتلال والاستيطان ونهب الأرض دون رادع، واستمرار اعتداءات المستوطنين، واقتحام باحات المسجد الأقصى، وإغلاقه أمام جمهور المؤمنين في أوقاتٍ مُختلفة.
وثاني تلك الرسائل تقول بأن ردع الاحتلال وسياساته وكَسرِ انفلات المستوطنين، يُجيز للناس اشتقاق كل السُبل المُمكنة لرفع هذا الظلم، ولفت انتباه العالم والمُجتمع الدولي لما يجري في فلسطين، والعمل من أجل وضع حدٍ لسياسات الاحتلال في ظل انشداد المجتمع الدولي لأزماتٍ جديدة ومُشتعلة في المنطقة بعيداً عن قضية فلسطين.
وثالث تلك الرسائل تقول بأن للفلسطينيين خياراتهم الوطنية مهما تعاظمت المصاعب أمامهم، ومهما بلغت سطوة الاحتلال وقوة بطشه، وتغولت أجهزته الأمنية بوجه الفلسطينيين، وانفلات مجموعات المستوطنين المسلحين بالبنادق الآلية والسلاح الناري. وبالطبع، فإن تلك الأساليب التي قد يتحفظ البعض عليها كما أسلفنا، يَجوز لنا أن نُطلق عليها مُسمى الأساليب الوطنية الكفاحية الجديدة المتوفرة لدى الشعب الأعزل في مواجهة جيش الاحتلال وسطوة أجهزته الأمنية وعصابات المستوطنين المسلحين.
ورابع تلك الرسائل تقول بأن طبقات الإحباط المتراكمة في صفوف الفلسطينيين مع تواضع حضور الروافع الداعمة العربية والإسلامية، ومع انسداد أفق العملية السياسية التفاوضية، لا تعني بأن الفلسطينيين سيتجرعون منطق الاحتلال، وسيقبلون بما هو مطروح عليهم، بالنسبة لمصير القدس المستقبلي. فالفلسطينيون، وعلى ضوء تسارع تلك الأحداث، وبعد تراكم الطبقات الكثيفة من الإحباط واليأس نتيجة انسداد افق الحلول السياسية، وتمادي سلطات الاحتلال، قادرون على شق مرحلة جديدة في العمل الشعبي المُتعدد الأشكال والأنماط وحتى الأساليب، التي بتنا نَسمَعُ بها كل يوم، والتي يبادر للقيام بها العديد من الفتيان والشبان، ومن كوادر وأعضاء بعض الفصائل الفلسطينية ونشطائها، كنشطاء حركة الجهاد الإسلامي وحماس وفتح، ونشطاء اليسار الفلسطيني من أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وخامس تلك الرسائل تقول، إن زمن الترانسفير والتطهير العرقي والضغط على المواطنين أصحاب الوطن الأصليين لدفعهم للنزوح بات خلف التاريخ، ولن يكون بمقدور سلطات الاحتلال إعادة إنتاجه الآن حتى في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها فلسطينيو القدس والضفة الغربية والقطاع. فالثبات على أرض الوطن وخصوصاً في القدس مسألة لا مندوحة عنها، حتى تحت وعلى أنقاض البيوت التي ينسفها الاحتلال من حين لآخر.
وسادس تلك الرسائل تقول، إن العملية السياسية التفاوضية الغارقة في سباتها العميق، لا يمكن لها أن تقوم من سباتها في ظل سياسات الاحتلال القائمة على تهويد الأرض وابتلاعها، وتهويد المدينة المقدسة.
وسابع تلك الرسائل تقول، إن لحظات الحقيقة الفلسطينية هي الأسطع، وهي الأكثر حضوراً، فالفلسطينيون قادرون على التكيف مع المرارات والانتكاسات اليومية حتى في وقائعها القاسية، وقادرون في الوقت نفسه على البقاء ولو على قوت كسرة خبزٍ، وعلى طعام الزعتر والزيتون.
أخيراً، إن الأجواء الفلسطينية المُحتقنة من جهة، والمُبشرة من جهة ثانية في الوقت نفسه، في القدس وعموم الضفة الغربية، والمُلبدة بغيوم النهوض الوطني القادم، لا يمكن لها أن تَشُقَ طريقها بنجاح وسط سيادة حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني، ووجود التنافر بين قطبي المعادلة الفلسطينية، ونقصد بين حركتي حماس وفتح، وهو التنافر الذي عاد للسطح بعد الأحداث الأخيرة وتواتر التسخين الإعلامي، وهو ما يتطلب من كل العقلاء من أصحاب وصانعي القرار في الساحة الفلسطينية، للتدخل من أجل فرملة التطورات السلبية الجارية بين الطرفين الرئيسيين في المعادلة الفلسطينية، والعودة لتنفيذ المصالحة الوطنية الفلسطينية، وتوفير الحالة الوطنية الناضجة التي تساعد على نهوض الناس في مواجهة الاحتلال، بدلاً من أن تُثقل كاهلهم في ظل بقاء التنافر بين مكونات المعادلة الفلسطينية.

إلى الأعلى