الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: فلسطين والبكاء على اللبن المسكوب

شراع: فلسطين والبكاء على اللبن المسكوب

خميس التوبي

وسط حالة التداعي الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية، وفي ظل المنعرج الخطير الذي أُدخلت فيه عنوة، يقفز إلى الأذهان الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام باحثة عن إجابة شافية ووافية، من فرط ما أصاب هذه القضية من ارتطامات ودق أسافين، ومؤامرات ومماحكات، ومساومات، وبيع ذمم وغير ذلك من الأساليب والأدوار والأحداث التي مرت طوال أكثر من سبعين عامًا؛ أي منذ نكبة فلسطين وإقامة كيان الاحتلال الإسرائيلي على أنقاضها.
اللافت أن القضية الفلسطينية لم تشهد تلك الأساليب إلا بعد اتفاقيات أوسلو التي وُقِّعت بين الفلسطينيين بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وكيان الاحتلال الإسرائيلي برعاية أميركية، ما شكَّل نقطة تحوُّل غير مسبوق في تاريخ ما عُرِفَ قبل هذه الاتفاقيات بـ”الصراع العربي ـ الإسرائيلي”، ونقطة التحوُّل هنا هي النجاح الأميركي ـ الإسرائيلي في اختراق منظومة التضامن العربي، ليمثل (هذا النجاح) الضربة الثانية بعد معاهدة كامب ديفيد، فهذا التضامن ـ رغم المعاهدة ـ كان يمثل العمود الفقري للقضية الفلسطينية، وإن خلخلت معاهدة كامب ديفيد فقراته.
وإذا كان هذا على الصعيد الفلسطيني ـ العربي، فإن الحال على الصعيد الفلسطيني ذاته لم يكن أفضل عن غيره، فقد وجَّه الفلسطينيون أنفسهم ضربة ثالثة للقضية الفلسطينية من خلال الانقسام العمودي بينهم جراء تنافسهم على السلطة والقيادة، مقدِّمين هدية العمر لعدوهم المحتل، حيث تحوَّل هذا الانقسام إلى دجاجة تبيض ذهبًا له، فاستغل حالة الانقسام أحسن استغلال، وما حققه كيان الاحتلال الإسرائيلي في ظل هذا الانقسام لم يتمكن منه قبلًا، والنتيجة التي آلت إليها حالة الانقسام، كما يراها العالم أجمع اليوم، حيث ادْلَهَمَّ على الشعب الفلسطيني البطش والتوحش والبؤس، وتناوبت ـ ولا تزال ـ الحروب العدوانية، وزُجَّ به في سجن محكم الحصار والإغلاق، حيث أنياب الجوع والفقر والمرض، وغارات العدوان تأتيهم من كل حدب وصوب، واغتُصبت القدس، وانتُهك المسجد الأقصى الشريف، وسُيطر عليه، وسرطان الاحتلال والاستيطان آتٍ على الضفة الغربية بأكملها وما بعدها، واستبدل الناجحون في فرض هذا الواقع الجديد بخرائط طرقهم ومشروعاتهم ومؤتمراتهم المعنونة زورًا بـ”السلام” صفقات ومشروعات “تصفوية”، وتمضي سياسات الناجحين نحو إكمال مخطط التصفية الشاملة التي تشمل الأرض والعرض والرموز والمقدسات، وبكل أسف وألم وحسرة أَعْيُنُ المنقسمين تشاهد وتتابع حبل المشانق يلتف على رقابهم دون حول لهم ولا قوة.
نُتَّهم نحن العرب بأننا نجيد جلد الذات، ولكن هذا الواقع الذي فرض علينا، ونبكي على ما فرطنا في جنب الله بالتنازل عن المسجد الأقصى، ونبكي على ما فرطنا في حقوقنا، بعد أن نجح أعداؤنا في إلهائنا وخداعنا بحطام الدنيا وبلذة زائلة اسمها رئاسة وسلطة وقيادة وزعامة، أخذنا نتناحر عليها باسم الديمقراطية الغربية وباسم الديمقراطية الأميركية، وباسم الحرية والدولة المدنية وباسم “الربيع” وغيرها من الشعارات الزائفة، فتحوَّلنا إلى رماح وسواطير وخناجر ننحر بها بعضنا بعضًا، ونطعن بها غدرًا أوطاننا إلى أن جعلناها أطلالًا تسر أعداءنا، ونسينا وتناسينا أننا بهذا الفعل الشائن نُعَبِّدُ الطرق لهذا اليوم وشره المستطير، وهل يفيد البكاء على لبن مسكوب؟
يوصف الشعب الفلسطيني بأنه شعب الجبَّارين، وبأنه أهل رباط، فهل يا ترى تسح عيونه دموع الندم على ما وصل إليه حال القضية الفلسطينية، جراء الانقسام المريع وما تَسبَّبه في نتائج كارثية؟ وإذا كان كذلك، فإنه القادر بقدرة الله على تدارك ما فات واستعادة زمام المبادرة، والتحرك سريعًا للملمة الصف وتوحيد الكلمة، فما تمر به قضيته لا مجال فيها للتنافس على مناصب رئاسية وغير ذلك، فالجميع الآن قد وُضع على مقصلة التصفية، والمسألة ليست سوى مسألة وقت قصير جدًّا.

إلى الأعلى