الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / جمال عبد الناصر .. مثقفا (2-1)

جمال عبد الناصر .. مثقفا (2-1)

كاظم الموسوي

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (1918- 1970) شغل الناس والسياسات المحلية والإقليمية والدولية في زمنه، وحتى بعد رحيله، ولعل الفترة التي تلت أصبحت محكا أو إثباتا لما كانت عليه قبلها. أي أن الفترة اللاحقة كشفت مصداقية وعظمة الإنجازات والأخطاء، كما رثاه الشاعر محمد مهدي الجواهري. ولعل السؤال والبحث عن الثقافة ودورها في بناء وعيه السياسي، صاحب القرار ومصدره، وتأثيرها على قراراته ودوره العام مهمة كبيرة تسهم في توضيح المكانة والمسؤولية والإدارة والإجراءات وانعكاسها العملي، لا سيما في دولة مثل مصر وفي فترة حاسمة من الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية محليا ودوليا.
في كتابه الصادر عام 2018 في القاهرة، بعنوان; عبد الناصر.. مثقفا، بحث الكاتب والقائد السياسي، أمين عام الحزب الاشتراكي في مصر، المهندس أحمد بهاء الدين شعبان، في هذا الموضوع المهم، كاتبا عن الثقافة والسياسة، السياسي والثقافي، في شخص عبد الناصر، بدايات القراءة والاهتمام في المطالعة، والممارسة والإنجاز والتداعيات وما آلت إليه سيرة الشخصية الثقافية في الدور السياسي والقيادة الفعلية والإسهام في البناء الاجتماعي، وكيف تشابكت عند عبد الناصر في مصر وتداعياتها عند العرب، مع أضواء على من أسهموا معه في هذا الدور والتداعيات التي استمرت أو تكشفت بعده.
عبد الناصر رجل عسكري قاد مجموعة عسكرية لتغيير نظام حكم، تحول التغيير إلى ثورة شعبية لعب فيها الضباط العسكريون إدارة القيادة والتغيير والتحولات على الصعد المختلفة. وكانت هذه التحولات والاتجاهات التي ظهرت بعدها وليدة طبيعية لتركيب المؤسسة العسكرية، السياسي والثقافي. وما حصل خلالها من صراعات واصطدامات ونجاحات وتراجعات وحتى خيبات. حيث قدم إلى القيادة وصناعة القرار ما تفاعلت به وتمكنت من الخروج منه إلى فضاءات الإصلاح والتغيير المطلوب بكل ما حملته من إيجابيات وسلبيات، باتت اليوم من صفحات التاريخ، أو التاريخ هو الشاهد عليها.
رغم ذلك كتب المؤلف في تقديمه، “والصفحات التي يتضمنها هذا الكتاب، لا تدعي استهداف التغطية الكاملة لموضوع “عبد الناصر والثقافة” وتطور العلاقة بين “الزعيم” وهذا البُعد المعرفي الكبير، لكنها تلقي أضواء أولية على دور الثقافة في تكوين شخصيته الفريدة في تفاعلها مع نشأته ودراسته المدنية والعسكرية، كما تلمح إلى دوره في نشر التعليم المجاني وانحيازه لأن يكون المنتج الثقافي ميسرا لمحدودي الدخل (…) وتشير إلى بعض التعثرات التي صادفته وصادفت الوطن في هذه المسيرة، ومنها الصدام بين نظامه وبين قطاع من المثقفين الوطنيين من المفكرين الاشتراكيين المصريين.” (ص(6 أما فصول الكتاب فقد تناولت ما تمت الإشارة إليه، أو الأبرز فيها. حيث جاء الفصل التالي بعد المقدمة بعنوان الكتاب: عبد الناصر مثقفا، والفصل الثاني بحث في وهم الليبرالية وعصرها الذهبي، والفصل الثالث بعنوان عبد الناصر واليسار ومن ثم لحقه فصل بعنوان هيكل واليسار، وبعده التوظيف المتبادل أو عبد الناصر و”الطليعة”، وختم الكتاب بفصل المثقف العربي والسلطة. مركزا على مصادر التثقيف والدور السياسي والالتزام والتأثير في التكوين والقرار الثقافي والسياسي معا.
في تقديمه لترجمته لكتاب لينين، تطور الرأسمالية في روسيا، كتب فواز طرابلسي: “بين سجنه في سان بطرسبورج ومنفاه السيبيري، كرس لينين ثلاث سنوات (1898-(1896 لوضع “تطور الرأسمالية في روسيا”. أما جهد الدراسة والتنقيب فأقل ما يقال فيه إنه خارق. خلاله اطلع لينين، اطلاع الباحث الناقد، على أكثر من 500 كتاب ومجموعة إحصائية ومجلة ومقالة ـ باختصار، كل ما كتب عن الاقتصاد الروسي. وكعادته لم يترك هذه المناسبة “الأكاديمية” بدون استغلال في عمله النضالي السري تتعلق بأوضاع الحلقات الماركسية المبتدئة تحت راية “عصبة النضال من أجل تحرر الطبقة العاملة” التي كان لينين من مؤسسيها، وقد اعتقل بتهمة الانتماء إليها، وحين صدر الكتاب، في مطلع العام 1899 عرف رواجا لافتا في أوساط المعارضة الروسية”.
أردت الإشارة هنا إلى أن الكاتب والمثقف والسياسي لا يمكنه التصدي في هذه المجالات دون حصيلة معرفية وجهود ثقافية وبحث ونقد، وهو ما ينبغي قراءته أو البحث فيه عند الحديث عن ثقافة أية شخصية عامة. وليست للمقارنة ولاسيما الاختلاف الكبير في متغيرات الظروف الموضوعية، ولكن الدلالة مهمة ولابد من الانتباه لها.. وقد سعى كما يلاحظ الكاتب في الإشارة إلى بدايات عبد الناصر الأولى في مرحلته التأسيسية، وهو طالب في المرحلة الثانوية، وكتابته لمقال عن فولتير، الفيلسوف التنويري الفرنسي. “رسول الحرية في القرن 18″ ومن ثم تأثره برواية توفيق الحكيم، عودة الروح، حسب ما كتبه رجاء النقاش، واستخلاصه منها في فكرة الوحدة الوطنية، وفكرة عودة الروح لمصر في دورها الحضاري، وأضاف لها المؤلف فكرة “التوحد” أو الجمع بين الموضوع والذات، بين الأمة والزعيم أو بين الشعب والقائد، وتوسع في رصد الكاتب السويسري جورج فوشيه في كتابه “جمال عبد الناصر ورفاقه” قائمة الكتب التي استعارها وقام بالاطلاع عليها من مكتبة الكلية العسكرية. وهي لها دلالاتها من خلال عناوينها ومضمونها، ثم تأثره في مسرحية الكاتب الإيطالي لويجي بيرانللو، “ست شخصيات تبحث عن مؤلف”، ورؤيته فيها دعوة إلى التحرك من أجل الاستجابة لصرخة الكاتب ولملء الفراغ الرهيب، والبحث عن “القائد المنقذ”. ومن خلال هذه الكتب ومضامينها يستدل على اهتمام ومعرفة قارئها وتأثره في اختيارها ودورها في تنمية الوعي والإدراك الثقافي، وتبيان الخلفية الفكرية أو عواملها الأساسية ومعرفة انعكاساتها اللاحقة.
يشير المؤلف إلى انطباعات مقربين أو عاملين مع عبد الناصر عن اهتمامه في الثقافة عموما، سواء في القراءة واختيار الكتب، أو في مناحٍ ثقافية أخرى، كعشقه للسينما، وحضور الحفلات الموسيقية والغنائية وعروض الأوبرا والمسرحيات. ويلفت الانتباه إلى طلب عبد الناصر من خالد محيي الدين:”يذكر الأخير أنه بعد أن هدأت العاصفة، ووافق عبد الناصر على رجوعه إلى مصر من منفاه في جنيف، طلب منه أن يشتري له قبل عودته، “شوية كتب عن الاشتراكية بمختلف مدارسها” كان ذلك أواخر عام 1955 حين بدأ عبد الناصر يبحث عن مسار يجيب على التساؤلات الحادة التي طرحتها ظروف مصر والمنطقة عليه وعلى نظام حكمه” (ص(21 وبغض النظر عن تقييم مضمون ومآلات السياسات، فالنتائج العملية تخدم الشعب ونقلت عمليا قطاعات واسعة، وبالتالي المجتمع إلى مراحل متقدمة من التطور على هذا الصعيد.

إلى الأعلى