الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / السلطنة ..تجني ثمار الاستثمار في رأس المال البشري

السلطنة ..تجني ثمار الاستثمار في رأس المال البشري

محمد عبد الصادق

تبوأت السلطنة أحد مراكز الصدارة على المستوى العربي في مؤشر رأس المال البشري الصادر مؤخرا عن البنك الدولي، حيث أظهر التقرير الدولي أن عمان أحرزت تقدما مطردا في بناء رأس المال البشري لدى الأطفال، في فترة ما قبل جائحة كورونا، وحققت أكبر الخطوات بين الدول المتماثلة في الدخل والتركيبة السكانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويعد هذا المؤشر خطا لتتبع التغيرات في رأس المال البشري، الذي يسترشد به في اختيار المناهج المتبعة لحماية البشر والاستثمار فيهم مستقبلا.
والسلطنة من الدول القلائل التي تنبهت مبكرا لأهمية الاستثمار في البشر، وأولت التعليم والصحة العناية والاهتمام اللازمين، وظلا يحتلان الصدارة في بنود الإنفاق الحكومي طوال العقود الخمسة الماضية، كما أحسنت استغلال مداخيل النفط وسنوات الوفرة والرخاء، في تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية وإرسال البعثات الدراسية المتعاقبة ـ من خلال خطط ابتعاث طموحة ـ إلى الدول المتقدمة لتحصيل العلوم الحديثة والاستفادة من التكنولوجيا والتجارب الدولية الناجحة، مع استقدام الخبرات والكفاءات العلمية والمهنية للاستفادة منها في نقل الخبرة بمرحلة التشييد والبناء.
حتى جاء الدور على الشباب العماني الذي بلغ مرحلة النضوج وتراكم الخبرات، وأصبح مؤهلا لتولي المسؤولية والإدارة في كافة القطاعات الخدمية والأنشطة الاقتصادية عن جدارة واستحقاق لتحصد السلطنة ثمار ما استثمرته في البشر.
لكن تقرير البنك الدولي حذر من التأثيرات السلبية لجائحة كورونا على مستقبل البشر في منطقتنا والعالم، وأظهر أن الطفل المولود اليوم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لن يحقق أكثر من 57% من قدرته الإنتاجية بعد أن يكبر، بسبب تراجع الإنفاق على الصحة والتعليم وبرامج رعاية الطفولة والأمومة في معظم الدول، جراء الخسائر الفادحة التي خلفتها جائحة كورونا على الاقتصاد والدخل القومي لمعظم دول المنطقة، ليتراجع معه الاستثمار في رأس المال البشري،ما قد يؤدي لانتكاسة في تحصيل المعارف واكتساب المهارات والصحة الجيدة، وهي المقومات التي تتراكم لدى البشر على مدار حياتهم، وعلى أساسها يطلق العنان لإمكانات الأطفال والأجيال الصاعدة وتتأثر معدلات النمو الاقتصادي مستقبلا.
وتضمن المؤشر بيانات عن الصحة والتعليم في 174 دولة، تغطي 98% من سكان العالم حتى شهر مارس 2020م، الأمر الذي يتيح تشخيص الحالة ومقارنة الأوضاع، قبل وبعد تفشي “كورونا” بشأن صحة الأطفال وتعليمهم، ويظهر المؤشر تحقيق معظم الدول تقدما ملحوظا في بناء رأس المال البشري لدى الأطفال قبل تفشي الجائحة وتوقف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في مارس الماضي، مع تحقيق أكبر القفزات في الدول المنخفضة الدخل.
وأكد رئيس مجموعة البنك الدولي أن جائحة كورونا تعرض للخطر ما تحقق من تقدم خلال السنوات العشر الماضية في بناء رأس المال البشري، من تحسينات في مستوى الرعاية الصحية وارتفاع معدلات البقاء على قيد الحياة والالتحاق بالمدارس، وانخفاض التقزم لدى الأطفال, والتأثير الاقتصادي العميق لهذه الجائحة على النساء والأسر الأكثر حرمانا المعرضين لانعدام الأمن الغذائي، داعيا الدول والحكومات إلى النظر للمرأة والطفل باعتبارهما الفئات الأولى بالرعاية والأكثر احتياجا للحماية من تداعيات كورونا.
تسببت “كورونا” في عدم انتظام أكثر من مليار طفل على مستوى العالم في الدراسة، وخسروا في المتوسط نصف عام من التعليم حتى الآن، وقد يخسرون فترات أخرى إذا استمرت الجائحة، سواء توقفت الدراسة أو كانت عن بعد، فالطفل يحتاج لعلاقة مباشرة مع معلميه داخل جدران المدرسة ـ خصوصا في الصفوف الأولى ـ وهو ما سينعكس على المستقبل ويتحول إلى خسائر مادية فادحة، نتيجة وجود جيل ناقص النمو البدني والمعرفي مما قد يترتب عليه نقص في إنتاجيته عندما يكبر.
كما تظهر البيانات حدوث تعطل ملموس في الخدمات الصحية الأساسية المقدمة للنساء والأطفال، وتوقف برامج التطعيم في بعض الدول، الأمر الذي ينذر بمعاودة ظهور أمراض وأوبئة كانت اختفت من العالم أو ندر حدوثها؛ مثل شلل الأطفال والحصبة والحمى الشوكية، ومتوقع حدوث تراجع في عدد سكان العالم هذا العام، نتيجة نصيحة الأطباء للنساء بتأجيل الحمل والإنجاب في زمن كورونا، وتراجع معدلات الزواج بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتأجيل كثير من الأعراس ومشاريع الزواج انتظارا لاختفاء الوباء، بجانب ارتفاع معدلات الطلاق والعنف الأسري وانتشار الأمراض النفسية التي جلبها “كورونا”.

إلى الأعلى