الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الجميع يريد فحص حرارتي!
الجميع يريد فحص حرارتي!

الجميع يريد فحص حرارتي!

د. يوسف بن علي الملَّا:
نلاحظ من أشهر ونحن في أزمة جائحة كورونا تثبيت كاميرات التصوير الحراري في مختلف الأماكن العامة بهدف تقييم صحة الأفراد قبل دخول مؤسسة ما أو دخول أحد المراكز التجارية، واستخدام تكنولوجيا الأشعة تحت الحمراء، للكشف عن الحرارة التي يشعها جسم الإنسان. مع ذلك ليس من السهل الحصول على قراءة دقيقة لدرجة حرارة الجسم، حيث إن

درجة الحرارة العادية تتفاوت من شخص لآخر، وتتغير خلال اليوم، ناهيك أنها تشهد تقلبات خلال الدورة الشهرية للمرأة مثلا.

ونحن جميعا لاحظنا أو سمعنا أن هنالك أشخاصا مصابين بفيروس كورونا ولكن لا تظهر عليهم أية أعراض على الإطلاق. في حين أن الحمى هي أحد أكثر الأعراض شيوعًا للأشخاص الذين يمرضون، إلا أنها لا تزال بعيدة كل البعد أن تكون عرضا موجودا لكل المصابين. فالكثير من الحالات التي تمَ تشخيصها بإصابتها بفيروس كورونا كانت حالات خفيفة، ولم تكن الحمى عرضا رئيسيًّا فيها، ولعلي أقول هنا إن استخدام الحمى أحيانًا كأداة لفحص “كوفيد 19″ قد يخلق إحساسًا زائفًا بالأمان!

فهل هناك قلق من استخدام هكذا فحص لدرجات الحرارة؟ مع العلم أن أي شيء يمكن أن يفيد صحتنا لديه أيضًا القدرة على تقويضها. فإذا اطمأن الناس ـ على سبيل المثال ـ بفحص الحمى والتنازل عن الأساسيات من ارتداء كمامات الوجه، والتباعد الجسدي وغسل اليدين، فإنهم يعرضون أنفسهم والآخرين للخطر. وعليه ربما هذا الاختبار ليس لديه القدرة على طمأنة الناس، ولكن لديه قدرة حقيقية على التضليل، إن صح لي التعبير!

وبالواقع هذا يقودنا إلى التنويه أن الاختبار أو الفحص المفيد يجب أن يكون حساسًا ومحددًا. فالاختبار حتى يكون حساسًا من الناحية الطبية، يجب أن يلتقط معظم الحالات (ويفضل جميع الحالات) بينما يكون الاختبار محددًا إذا لم يخطئ في تحديد عدد كبير جدًّا من الحالات.

بمعنى آخر أنه وخصوصًا باستخدام هكذا اختبار كموازين الحرارة بالأشعة تحت الحمراء، يجب أن نعي مكان وكيفية استخدامها. لذلك نلاحظ أنه يمكن للشخص أن يظهر بدرجة حرارة أعلى من المتوسط؛ لأنه خرج للتو للركض أو خلال القلق. وأيضًا عندما تتعرق، يعمل جسمك على طرد الحرارة عبر الجلد. وهنا أظنُّني أستدرك أن هنالك أشخاصًا يتناولون الدواء لإخفاء الحمى، وبالتالي وحتى إن كان إجراء فحص قياس الحرارة بالأشعة تحت الحمراء تم بشكل صحيح، فإن فحص درجة الحرارة ليس بالضرورة كافيًا لتحديد الحالات، وهنا تكمن أيضا المشكلة!

بكل تأكيد تستخدم العديد من المطاعم والفنادق فحص الحرارة بالأشعة تحت الحمراء للعودة إلى العمل خلال هذه الجائحة، لكن سؤالي هنا: أين الدليل العلمي والحقيقي على أن هكذا اختبار لدرجة حرارة الجسم هو تدخل مفيد؟ وهل أجهزة درجة الحرارة تلك دقيقة أم أنه تسويق تجاري بحت منه إلى كونها مستندة في استخدامها إلى أدلة طبية؟! إضافة إلى ذلك ـ وللأسف وعلى غير العادة ـ فقد أوردت إحدى وكالات الأدوية والمنتجات الطبية العالمية بيانا في الأشهر الماضية، مفاده أن الكاميرات الحرارية وغيرها من منتجات (فحص درجة الحرارة ) والتي تقدم لفحص “كوفيد 19″ ليست طريقة موثوقة لاكتشاف ما إذا كان الأشخاص مصابين بالفيروس من خلال فحص الحرارة. وهذا حقيقة يقودني للتساؤل: هل قراءات درجة الحرارة من أنظمة فحص درجة الحرارة، تقيس درجة حرارة الجلد بدلًا من درجة حرارة الجسم الأساسية؟

من ناحية أخرى، الماسحات الضوئية بالأشعة تحت الحمراء غير كاملة مقارنة بقياس درجة الحرارة تحت اللسان أو في المستقيم. والأهم عندما يتم توجيه هذه الأجهزة إلى جبهتك قد نثق بالنتيجة. ومع ذلك إذا تخيلت مسح مجموعة من الناس، كما بدأت بعض المراكز الترفيهية الرئيسية، فإنه للأسف تتلاشى الدقة، ناهيك أن أجهزة فحص الحرارة بالأشعة تحت الحمراء مثلا، صممت مشابهة للكاميرات الحرارية لاكتشاف الحياة في أي ميدان مفتوح، وللاستخدامات الصناعية أو العسكرية، وليس لتقييم الحمى الفردية. وهي تقيس درجة حرارة الجلد، بدلًا من درجة الحرارة الأساسية، والتي بلا شك يمكن أن تتأثر بمستحضرات التجميل أو خافضات الحرارة. والواضح أن لها علاقة غير مؤكدة بدرجة الحرارة الأساسية للجسم. وبالتالي يؤدي فحص درجة الحرارة بالأشعة تحت الحمراء إلى أعداد كبيرة من الإيجابيات الكاذبة، فتنتهي مثلا بتقديم تطمينات خاطئة أو إنذار غير ضروري، وإبعاد محتمل للشخص عن العمل أو أنشطته الشخصية والترفيهية.

بطبيعة الحال، قد تكون فحوصات درجة الحرارة مفيدة في ظروف محددة، خصوصًا مع أعراض الحمى والسعال مثلًا، وبالتالي الوصول إلى إجراء الفحص المناسب للتحقق من إصابتهم بالفيروس والتماس العناية الطبية مطلوب ومهم في هكذا حالات. وبالمقارنة نرى أنه يمكن أن يكون الأشخاص المصابون بالعدوى إما بمرحلة ما قبل الأعراض أو بدون أعراض تمامًا. لذلك، لا يمكن اعتبار درجة الحرارة بديلًا موثوقًا لخطر

العدوى. وعليه، ربما بطبيعة فحص الحرارة بالأشعة تحت الحمراء على سبيل المثال، نخاطر بالإحراج العام والسرية للفرد عند استخدامه في مكان جماعي. وهنا أجد أن أفضل طريقة لحماية عملاء المراكز التجارية أو الفنادق وما إلى ذلك هو تقليل مخاطر الإصابة بالفيروس من خلال اتباع إرشادات التباعد الاجتماعي دائمًا، وارتداء كمامات الوجه في الأماكن العامة منها والمغلقة، وغسل اليدين بانتظام.

بالنهاية، حتى لو تم إجراء فحص الحرارة ـ كما ذكرنا بشكل صحيح ـ فإن فحوصات درجة الحرارة الروتينية والتي نراها بالأسواق مثلًا ليست بالضرورة كافية لتحديد الحالات الصحيحة لكورونا، بل إن فحوصات الحمى قد تعطينا إحساسًا زائفًا بالأمان وستضر أكثر مما تنفع! فلا يكمن الحل في ضخ المزيد من الموارد في كاميرات فحص الحرارة بالأشعة تحت الحمراء في محاولة لاكتشاف هؤلاء الأشخاص المصابين بفيروس كورونا ثم عزلهم، بل العكس أيًّا كانت الموارد وخلال الجائحة يجب أن توضع للاهتمام بالفرد أو المصابين في المقام الأول.

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

إلى الأعلى