الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: رسالة سلطانية سامية فـي عمق الارتباط بالأرض العمانية

في العمق: رسالة سلطانية سامية فـي عمق الارتباط بالأرض العمانية

د. رجب بن علي العويسي

تداولت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والواتس أب صورا حديثة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله وعاه ـ في زيارته السامية إلى محافظة ظفار وهو يغرس بيديه الكريمتين شجرة اللبان بمزرعة رزات السلطانية بصلالة، وما حظيت به هذه الالتفاتة الكريمة من لدن المقام السامي من اهتمام أبناء شعبه الوفي وارتياحهم لصنيع جلالته، والإطلالة السامية البهية لجلالته وهو يستخدم أداة التراث التقليدية في غرس الشجرة، بما تؤسسه لهم من قواعد السلوك والمثل العليا والقدوة في استشعار عظمة هذا الموقف وتؤصله فيهم من روح المسؤولية والعطاء، ورسالة تحمل في مضامينها عمق الارتباط بالأرض العمانية الشماء وتراثها الزاخر بالأمجاد والتثمير في موارد هذا الوطن الغالي.
لقد جسَّدت الالتفاتة الكريمة السامية لجلالة السلطان المعظم الكثير من الدلالات، وحملت معها العديد من الرسائل والإشارات الإيجابية بما يستشرفه مستقبل عمان في ظل قيادته الحكيمة من خير عظيم وتقدم نوعي على كل المسارات، سواء ما يتعلق منها بالبعد الاقتصادي الوطني وتأكيد مبدأ التنويع المخطط والذي يعبر عن الاقتصاد الواعد لشجرة اللبان، وما أسسته لحضارة عمان العريقة على مدى التاريخ من مآثر خالدة في الاتصال بين حضارات عمان والعالم وربطها بمناطق شبه الجزيرة العربية والحضارات الأخرى، والموقع الاستراتيجي لأرض اللبان في خط التجارة العالمي البحري، وما تعبر عنه قيمة الشجرة عامة وشجرة اللبان خاصة من كونها رمزا للصمود والقوة والشموخ والعزة والصبر والتحمل، وما تحمله من قيمة حضارية واقتصادية واجتماعية وحياتية وترسيخ للأمن الغذائي والاقتصادي في حياة المواطن، وهو المرجو منها كأحد الاقتصادات الواعدة في المستقبل، وهي الشجرة التي يجب أن تصنع لها الأجيال القادمة حضورا في سلم البناء الاقتصادي، إنها الذهب الأبيض الواعد بخيره، الراقي بجماله، المستديم في إنتاجه، المتعاظم في قيمته الاقتصادية، لتجد في العهد السعيد مساحة حضور لها بإعادة إنتاجها من جديد والاهتمام بالتوسع في زراعتها بشكل أفضل لتستجيب لتزايد الطلب العالمي على اللبان وفق مواصفات الجودة والكفاءة العالمية وتعزيز قيمته الإنتاجية، وتوفير بيئات نموذجية داعمة لنجاحها؛ إنها خيوط ممتدة في عمق التاريخ العماني وأصالة الموروث الحضاري المادي منه وغير المادي المتعدد في أشكاله، والمتناغم في هويته، والمترابط في كينونيته، والمتمازج مع خصوصية الزمان في تنوع المواسم والفصول، وحضرة المكان الذي تشكل فيه ظفار والجبل الأخضر نماذج لهذا التمازج مع الطبيعة والتعايش مع اهتمامات الإنسان، ليتسع أمر الاهتمام بالشجرة في كل مناطق عمان ومدنها وقراها، وفي كل منها شجرة أو نخلة تعبر عن خصوصيتها ومساحة الاهتمام التي يمنحها المجتمع لها، وشعوره بما توفره من ظلال الأمان، وتؤسسه من فرص العيش السعيد، وتصنعه من مساحة اللقاء بين أبناء المجتمع، واستدامة فرص التعايش والتكافل الاجتماعي، حتى أصبحت تعبيرا عن روح الود وعبير الأمل ونضوج الوعي وحب التغيير، وقراءة الحياة في ثوب البساطة وحس الطبيعة بعيدا عن التكلف، لترسم الشجرة روح الحياة المتجددة وتعطّر بطيب عبيرها أجواء التسامح، سهلة المنال، غزيرة الإنتاج، كريمة العطاء، عظيمة الأثر، رفيقة الإنسان.
لقد أيقظت هذه البادرة العفوية الجميلة لجلالة السلطان في استخدامه لأدوات الزراعة، أيقظت الشعور المجتمعي والهاجس لمنح اقتصاد الزراعة التقليدي والواعد مساحة في خطط التنويع الاقتصادي، وعززت في المواطن العماني شعورا إيجابيا وولاء وانتماء، وفخرا بصنيع القيادة الحكيمة وما تجسده تلك الالتفاتة من معان نبيلة وعلامات فارقة تنعكس على شخصية الإنسان العماني المحب لأرضه والعاشق لوطنه، وهو العامل المجتهد، المنجز المعطاء، صاحب المبادئ والتضحيات، وصانع التجديد، ووقفة تأمل نحو بناء هذه الروح الإيجابية لدى الشباب العماني في اهتمامهم بالأرض وسعيهم نحو استصلاحها وزراعتها بأجود ما تجود به أرض عمان المباركة في بيئاتها المتعددة ومناخاتها المتنوعة، لتبقى خيوط الاتصال بالمكان حاضرة، وذاكرة حضارية تعزز في النفس حس الشعور برغبة العودة إليه مرة أخرى، إنها محطات ووقفات ودلالات ودروس ومبادئ وقيم وأخلاقيات ومنهجيات وقواعد للسوك الأصيل، واستراتيجيات في مفهوم القيادة المجتمعية التي عملت على تقريب المفاهيم إلى واقع حياة المجتمع وممارستها كدافع لاستنهاض الهمم واستنطاق المبادئ والقيم والعمل الجاد في الارتباط بماضي الأجداد وتاريخهم وتراثهم والانتماء للأرض، ويؤكد على الدور الحيوي الذي قام به الأجداد في سبيل بقاء هذه الشجرة والمحافظة عليها والتثمير فيها وتعميق البُعد الاقتصادي الناتج عنها، عبر الاهتمام بشق قنوات الري والأفلاج وإقامة السدود، وامتلاك جاهزية التعامل مع التفاصيل المتعلقة بتوزيع مياه الأفلاج بين المزارعين ووحدات الرصد والتتبع المستخدمة في ذلك كالأثر والبادَّة وغيرها.
وتبقى الصورة الإيجابية التي ينقلها أبناء عمان عن وطنهم ومواردهم وأرضهم وقيادتهم، وروح التناغم والحوار الإيجابي والتعايش الصادق مع الأفكار النوعية التي تمنح الحياة فرص السلام، الطريق لتقوية الارتباط بالوطن والمحافظة على الأرض العمانية كالشجرة، ثابتة الأصل، شامخة الأغصان، سامقة في سماوات العطاء وفضاءات الكون الفسيح، تؤتي أكلها كل حين بأمر ربها، ثمارا يانعة، وظلالا وارفة، وهواء نقيا، ونتاجا وفيرا يحققون بها أحلامهم وآمالهم، إذ هي التي من أجلها يسعون، وفي سبيل المحافظة عليها يجتهدون، ومن أجل رعايتها يسهرون، متوكلين على الله حق التوكل، آخذين بأسباب النجاح معتمدين على النفس وحس المسؤولية وضمير الإرادة واستشعار الواجب الوطني، وحب الوطن الذي يبدأ من إخلاص الإنسان لأرضه ومحافظته عليها وإدارته لمواردها وتعظيمه لما تتميز به عن غيرها من بلدان الأرض، محطة لبناء الحياة في ظلال الأمان والاستقرار والسلام والتنمية والصفاء والذوق والرقي وسمو الفكر ونهضة التفكير ومنهج العمل وإرادة البناء وغرس قيم الفضيلة والخير والتعايش والحب، وسقيها بروح المودة والصفاء والحنان والعطف وجبر الخاطر واحتواء موارد الوطن وخلق روح التأثير فيها، والبناء على المآثر والفرص والاستفادة من كل ما أتيح للإنسان العماني على أرضه، فقد تأصل عشقه للأرض فعمل فيها واجتهد في استخراج خيراتها بكد يمينه وعرق جبينه، فالتصق في نفسه حبها منذ نعومة أظفاره وكبرت قيمتها معه، فسجل الـتأريخ لهم بصمة حضور في العمل الجاد المثمر والعطاء النوعي المؤثر، والمحافظة على الأرض وحسن استثمارها وإدارة مواردها والارتقاء باستخدامها بما ضمن صونها وبقاءها منتجة ثرية خصبة في تربتها، كما حفظ لها مواردها الذاتية، فكانت فيهم مآثر خالدة ـ حتى سلبتها منهم الأيام وضيعتها منهم السنون بدخول الأيدي الوافدة في هذا المسار.
ومع عمق هذه اللطائف واتساع شريحة المخاطبين بها لكل أبناء عمان وقطاعات الدولة ومؤسساتها، إلا أنها تتجه بشكل أخص لجيل الشباب، فتؤسس في فكره وقناعاته وثقافته وسلوكه منظورا جديدا لقيمة هذا القطاع الحيوي المهم وأهمية الاستثمار فيه والمبادرة في تبني المشاريع الزراعية الواعدة، وأن يمارس الشباب العماني مسؤولياته الوطنية بكل مهنية ووعي، بما يحمّله أمانة المحافظة على تراب هذا الوطن وتراثه، والتثمير في أرضه وموارده، والتمكين لقدراته واستعداداته التي تجد في الأرض مساحة لها للتفكير والتأمل والبحث والسعي وتطبيق التجارب وتمكين الأدوات واستنهاض الهمم واستنطاق الروح الإيجابية والمبادئ الشخصية في إعادة إنتاجها، فتفح مدارك النفس لتقديم كل ما هو جديد للوطن، ولتكن البداية بحصر ما يتوافر فيه من فرص وموارد، وإعادة إنتاجها وإكسابها روحا متجددة واستحقاقات تثمير قادمة، إنها انطلاقة جديدة تصنع من الشجرة محطة لقراءة الأمل الذي يغرس في أبناء عمان قيم الخيرية والإيثار، ويعزز فيهم قيم المواطنة المسؤولة والولاء والانتماء لعمان بما تحمله في تربتها الطيبة المباركة من ثبات المبادئ والسلام والعدالة، لتشكل شجرة اللبان في ثباتها وتجددها وإنتاجيتها الحلقة التي تدور حولها مسيرة العمل الوطني والأداء الحكومي والتي تتأكد اليوم في الانتقال بعمان إلى مستوى طموحات أبنائها في شتى المجالات، وهي مساحة الأمان وروح التآلفية والانسجام التي يجب أن تكون حاضرة في هذا البناء الوطني والتجديد الحاصل فيه، إخلاصا للأرض الطيبة، ووفاء لباني نهضة عمان المباركة ـ طيب الله ثراه ـ وولاء لسلطانها المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وتبقى المسؤولية اليوم في تعاطي المواطن العماني ومؤسسات الدولة مع هذه النهج السامية واللطائف الكريمة والمواقف الحكيمة والتعابير العفوية التي أثلجت الصدر، وأبهجت القلب، وصنعت العزيمة والقوة، وأسست مفهوما أعمق في الارتباط بالأرض العمانية، وتجسيدها في فقه الأجيال وثقافتهم حول الثروة الزراعية الواعدة، أو ما يحملونه من روح عالية وعزيمة ماضية وإرادة وثابتة وأمل بحياة ملء إهابها التسامح والسلام والوئام، لتأتي تعبيرا صادقا عما تحمله التربة العمانية من فكر متوازن شامخ في عطائه، سامق في بنيانه، عالٍ في توقعاته، ضارب بجذوره عمق التاريخ، لا يتزعزع مهما حاولت الرياح أن تؤثر عليه، وهكذا تبني الأوطان بشموخ أبنائها وأنفتهم وعزتهم وكبريائهم ومواجهتهم للظروف وتعاملهم مع الأخطار ووقوفهم صفا واحدا مع وطنهم وقيادتهم، روحا متقدة بالعطاء ونموذجا شامخا بالإنجاز الذي لا يقف عند حد، وهي نتاج “التربة العمانية الطيبة التي لا تنبت إلا طيبا، رعاها قابوس بغرسه، وسما فيها بفكره، وعظّم موقعها في بنيان عمان الشامخ، فغرس الشجر وعلّم البشر، وبنى الوطن وأنتج للحياة آمالا كبيرة حتى أصبحت مآثره الخالدة شاهد إثبات على نهضة قوية في كل المجالات، وها هو حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم يكمل المسيرة، ويسير بالسفينة شاقة طريقها إلى مراسي الأمان والاستقرار والتقدم والازدهار، فكان الزرع والغرس والسقي بما حمله من صفاء الروح وحس الوطن والإخلاص له، فعمان “ تبني ولا تهدم، وتقرب ولا تباعد” و” كل يد تبني عُمان، لها منا كل التقدير والامتنان”.
لقد أراد جلالة السلطان المعظم أن يصنع من هذه اللطيفة السامية محطة للتأمل وعمق التفكير ودروسا في البناء والتجديد والإدارة والتأثير والاحتواء بما تحتاجه عمان المستقبل من إرادة صلبة وعزيمة لا تلين، كالشجرة في ثباتها وحيويتها وكفاءتها وإنتاجيتها وعطائها، رغم قسوة الطبيعة بها وتعرضها للرياح، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان العماني، فما يواجهه اليوم في عالم الفضاءات المفتوحة من أحداث وتناقضات وتغايرات وازدواجية وسطحية في التفكير وتحجيم للفكر ومصادرة له، في أجندة سياسية تارة وشخصية تارة أخرى، حريصا في تعامله معها، واعيا بسلوكه حولها، راقيا في تصرفاته وردوده معها، معبرا عن ما يصنعه للاحترام وحس المسؤولية من قيمة حضارية تنقل المواطن إلى موقع الريادة والقيادة وتوجيه بوصلة التغيير لصالحه، للحيلولة دون تأثره بالتيارات الفكرية والأفكار المعلبة التي تستهدف زعزعة كيانه والتأثير في هويته وكينونته وشق عصا الوحدة ومنهج القوة، ليظل الإنسان العماني في كبريائه وأخلاقه ومبادئه ومفردات تعامله مع التراث والهوية والحضارة والأصالة والتغيير والإنتاجية نموذجا للإنسان العالمي الواعي في عالم متغير، والمواطن المسؤول في بناء عمان المستقبل في ظلال العمل والعلم، والإنتاج والعطاء، والبحث والتنقيب والاكتشاف، والغرس والتثمير للموارد مستغلا مواسم العمل في التثمير فيها واضعا اهتمامه وفكره المتجدد لتصحيح الممارسات التي باتت تسيء إلى شجرة الوطن الكبرى وثوابته العظمى، من أن تنالها أيدي العبث، أو تضيع في ذروة الجدال والنقاش، أو تنسيه شخصيته في وقت الشدة والانفعال، فإن الثوابت العمانية واضحة للعيان فلا تحتاج إلى تبيان، ومشهود لها بالحكمة ويعرفها كل من عاش على أرض عمان أو سمع عنها، كالشجرة تنبت سلاما، وتُحيي نفسا، وتهدي طريقا، وتبهج قلبا، وما أجمل أن يزرع مواطن اليوم في ذاته حس الشعور بمقدرات الوطن والمحافظة عليها، ويفتح نوافذ الإصلاح والخير التي يفوح عبيرها مسك السلام ورائحة الحب والوئام، ليترك وجوده في أي موقع بصمة حضور تجدد الأمل بعطائها، وتحيا الأرض الطيبة بثرائها، ليتقاسم الجميع حياة الأمن والكرامة والتنمية وهم يستمتعون بلحن الوطن الماجد وأنشودته في بوح الطفولة وأنامل الصغار، فيغرسون الأمل ويزرعون السلام ويسقون الحياة بروح التسامح والحب.
أخيرا، يبقى ما تحمله هذه الالتفاتة الكريمة واللطيفة الراقية لجلالة السلطان المعظم وما تبعها من صور أخرى في زيارته السامية إلى محافظة ظفار وقبلها إلى الجبل الأخضر، رسالة للحياة في ثوب الشموخ والقوة والأمل والإنتاج والاعتماد على النفس، ودعوة للشباب العماني لغرس جذور الأمل وتجديد مسيرة النهضة بسواعدهم وسقيها بأخلاقهم ومبادئهم وروحهم الممزوجة بالحب والإخلاص، إنها موجهات تحمل رسالة الوعي وضمير المسؤولية، قوامها بناء الإنسان المنتج والمواطن المخلص، بما يحفظ للأجيال القادمة حقها في خيرات الوطن وموارده “غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون”.

إلى الأعلى