الأربعاء 21 أكتوبر 2020 م - ٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / القراءة تصنع الحضارة (2)

القراءة تصنع الحضارة (2)

د.صالح بن سعيد الحوسني:
لنا أن نتخيل حال المسلمين يوم كانوا مصاحبين للمحبرة والكتاب، ينفقون في سبيل تحصيله ساعات عمرهم، مستقلين التعب والنصب في الرحلة من أجل تحصيله وطلبه، وعندما نقلب الطرف في حال بعض شبابنا هذه الأيام نجد ما يحزن القلب ويدمع العين من انصراف عن الكتاب واشتغال بسفاسف الأمور، فاشتغلوا بنشر الأراجيف وتتبع السخافات، وكثرة الضجيج من غير كثير منفعة أو فائدة.

مع أنني عندما أذكر هذه الأحوال لا يغيب عن ذهني وجود فئة من الشباب الطامح الغيور المجاهد الذي أدرك حقيقة الكتاب ودوره في الحضارة والتنمية ومكانته في رقي المجتمع في كافة الأصعدة سواء ما يتعلق بالجانب الروحي وصلة الإنسان بربه وعبادته أو ما يتعلق بالجانب التربوي أو الأخلاقي أو الاقتصادي أو غيرها من المجالات، فلم يترك لنفسه العنان مع إفرازات التقنية الحديثة وملهياتها، ولم يلتمس لنفسه الأعذار الواهية للتملص من أدوات العلم والقراءة بل جاهد وقاوم وبحث وطالع حتى وجد للعلم حلاوة وللكتاب متعة فظهر ذلك رقيا في أخلاقه، وتنظيمًا في حياته، وبلاغة في منطقه، وهيبة في سكوته، وإخلاصًا في عمله، وعزيمة في إقدامه، وسعادة في حياته.

إن العالم المعاصر في هذه الأيام لينظر إلى الكتاب على انه صانع الحضارة والتمدن، فليست القوة بكثرة الأعداد أو كثرة الثروات أو حجم الأموال وإنما القوة الحقيقية هي بمقدار اهتمام الدول بأدوات العلم وعلى رأسها الكتاب، ولا أدل على هذا من دول كانت تصنف من الدول النامية فإذا بها تقفز قفزات في التقدم والرقي الاقتصادي عند تقديرها للعلم، فعلى سبيل المثال بلغت صادرات كوريا الجنوبية لعام 2018م ما مقداره 600 مليار دولار، والتي أغلبها من الصناعات التقنية وعلى رأسها الرقائق الالكترونية مع أنها كانت كما يقال دولة متخلفة ولم يتجاوز صادراتها الأربعين مليون دولار في الستينات من القرن الماضي، بل لم يكن لها أي وجود بين أفضل 100 دولة في العالم، فإذا بها تصبح من أفضل 10 دول في العالم في حجم الصادرات.

* مدير دائرة شئون الحج بوزارة الاوقاف والشئون الدينية

إلى الأعلى