الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / حرب الإنترنت

حرب الإنترنت

د. أحمد مصطفى أحمد:
قد تبدو حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تطبيق الفيديوهات القصيرة الصيني “تيك توك” حلقة في الصراع التجاري الأوسع بين أكبر اقتصاد في العالم وثاني أكبر اقتصاد، والتي تتبادل فيها واشنطن وبكين العقوبات والرسوم على السلع والخدمات من فول الصويا إلى شركة هواوي العملاقة. لكن الوجه الآخر للأمر أن ترامب، وأي أميركي في محله، منزعج من أن حوالي مئة مليون أميركي حملوا التطبيق الصيني ويستخدمونه. وبما أن الإنترنت ومواقع التواصل أصبحت الآن الساحة الأهم والأخطر في كل المعارك، من الانتخابات وتشكيل الرأي العام إلى نشر الفضائح واغتيال السمعة إلى حملات التضليل المحكمة في مجال الأعمال، غدت مسألة الاستحواذ على “تيك توك” أو حظره أُم المعارك.
ليست المسألة مخاوف أمنية فحسب، كما بررت الإدارة الأميركية موقفها في البداية، بل هي الأساس حرب تجارية وفي جوهرها صراع مصالح. لهذا كانت الموافقة على صفقة لدخول شركات أميركية في شركة جديدة تتولى أعمال التطبيق الدولية مع المجموعة الصينية المالكة له. وبالطبع، سيستفيد المستثمرون الأميركيون من تطور التطبيق الذي يستخدمه نحو ربع سكان الأرض حاليا، ومنهم 100 مليون شخص في أميركا وحدها. بل إن الرئيس الأميركي دفع باتجاه أن يكون الشريك الأميركي الرئيسي في الصفقة هو شركة أوراكل وليس مايكروسوفت التي كانت تتفاوض لشراء أعمال “تيك توك” في أميركا من الصينيين. فرئيس أوراكل والشريك المؤسس لها لاري إليسون هو من ملياردرية وادي السليكون القليلين المؤيدين لترامب والمتبرعين لحملاته السياسية. وكان الرئيس التنفيذي للشركة صافرا كاتز ضمن الفريق الانتقالي للرئيس ترامب في 2016.
بغض النظر عن الفوائد المباشرة من الاستحواذ الأميركي على شركة التطبيق “تيك توك”، حتى لو كانت بالمليارات، فهناك من يرى استراتيجية أميركية غير معلنة لتركيز شركات التكنولوجيا والإنترنت في أيد أميركية. ففي الأيام الماضية أعلن عن صفقة شراء شركة “إن فيديا” الأميركية لشركة آرم لتصميم رقائق الكمبيوتر في بريطانيا بأكثر من خمسين مليار دولار. ورغم أن الشركة مملوكة لمجموعة سوفت بنك المالية اليابانية إلا أنها تظل بريطانية، إنما شراء شركة تكنولوجية أميركية لها يعني أنها لم تعد بريطانية. فسوفت بنك في النهاية ممول، لكن “إن فيديا” التي تصنع لوحات الجرافيكس للحاسوب (للكمبيوتر) والهواتف الذكية لن تكون ممولا فحسب. ومع أن الصفقة تأتي في سياق خطة “سوفت بنك” لتسييل أصول له لتوفير سيولة كبيرة، وبالتالي فهي نتيجة حسابات سوق، إلا أنها أثارت قلقا واسعا في مجال صناعة رقائق الحاسوب (الكمبيوتر) والهواتف الذكية وفي قطاع التكنولوجيا كله تقريبا خوفا من احتكارات محتملة.
صحيح أن الرئيس ترامب يسعى منذ فوزه بانتخابات الرئاسة في 2016 إلى تحقيق وعده الانتخابي بأن يأتي بالأعمال الأميركية التي انتقلت للخارج لأسباب ضريبية أو لقلة كلفة الإنتاج إلى أميركا مجددا. وركزت فترة رئاسته الأولى على إعادة التفاوض على كل اتفاقيات التجارة بين الولايات المتحدة وشركائها الرئيسيين، إضافة إلى أن استخدامه لسلاح العقوبات في سياسته الخارجية، بدلا من الحروب والدبلوماسية، يعد أيضا جزءا من الاستراتيجية الاقتصادية التي تركز عليها إدارته. فإلى جانب الفوائد المباشرة التي تعود على الاقتصاد الأميركي هناك أيضا الحفاظ على دور أميركا كقوة عظمى تفرض قيادتها على العالم ـ اقتصاديا وليس فقط سياسيا وعسكريا. ومع التغيرات التي نجمت عن أزمة وباء فيروس كورونا يتجه العالم أكثر فأكثر للاعتماد على التكنولوجيا وبدرجة أكبر على الإنترنت واستخداماتها وتطبيقاتها. ومن المنطقي أن تسعى أميركا لزيادة استحواذها على شركات التكنولوجيا والإنترنت لتعزيز ريادتها وعدم خسارة ميزة القوة العظمى الوحيدة.
ربما يكون الرئيس دونالد ترامب بدأ ذلك المنحى، والذي يأتي منسجما مع سياسة “فك الارتباط” بين أميركا والعالم بصورته التقليدية ما بعد الحرب العالمية الأولى والذي بدأ مع الرئاسة الثانية للرئيس السابق جورج بوش الابن. لكنه عمل على تسريع تعزيز استخدام الاقتصاد أداة مباشرة وحاسمة في بلورة تلك السياسة، أي فك الارتباط مع الحفاظ على المصالح ودور القطب الرئيسي الأوحد. ومع توقع زيادة محورية دور الإنترنت في كافة مناحي حياة البشر في السنوات القادمة، والتي كانت أزمة وباء كورونا جرس إنذار مهم لمن يتبع ذلك السبيل بعد، ينتظر أن تواصل الولايات المتحدة الاستحواذ على شركات تكنولوجيا وإنترنت. أما مخاوف الاحتكار وانتهاك التنافسية فلا يبدو أن واشنطن معنية كثيرا بتهدئتها خصوصا إذا كانت لدى منافسين كبار مثل الصين أو أوروبا مثلا. والواضح أن ترامب يحدث بالفعل تغييرا جذريا في النظام الاقتصادي الدولي، وأن نظاما عالميا جديدا في طور التشكل. وسواء فاز بفترة رئاسية ثانية في انتخابات نوفمبر القادم أو دخل البيت الأبيض رئيس آخر، فمن الصعب تصور أنه سيستطيع عكس هذا التوجه. والأرجح أن ما بدأه ترامب مستمر، سواء بالنسبة لأميركا أو العالم خصوصا ما يتعلق بالاقتصاد وفي القلب منه التكنولوجيا والإنترنت.

إلى الأعلى