الأحد 25 أكتوبر 2020 م - ٨ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الحرب الباردة .. فرص التسخين

الحرب الباردة .. فرص التسخين

عادل سعد

أن يعترف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في نسخة جديدة من التصريحات بأن الحرب الباردة عادت إلى الساحة الدولية، محذرا من خطورتها في جر العالم إلى منافسة مفتوحة تأخذ الكثير من حصة الاستقرار الدولي، فإنه لا بد أن يكون على دراية تاريخية كيف جرت الحرب الباردة التي باشرت أصابعها التحرك مع نهاية الأربعينيات من القرن الماضي بين القطبين الدوليين، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي آنذاك، الوضع الذي أشعل الكثير من التهديدات وسباق تسلح لمختلف أسلحة الدمار الشاملة، والدخول بتحالفات وحروب إقليمية في عدة مناطق من العالم، وتوجيه ميزانيات مالية كبرى للنزعات العسكرية، وتقاسم النفوذ على حساب قيم التضامن في مواجهة المشاكل الدولية.
إن أغلب المشاكل التي ورثتها البشرية إبان الفترة التي سيطرت عليها مجسات الحرب الباردة دفعت أثمانها دول العالم من الكلف المخصصة للتنمية والتجارة الدولية، حيث الغلبة باستمرار للدول الأكثر نفوذا وهكذا، ومع عودة الحرب الباردة الآن فإن ثمة خسارة سيدفعها العالم وستكون جسيمة، خصوصا في ظل قائمة طويلة من المشاكل الاقتصادية والبيئية الخطيرة، والتهديدات المتمثلة بالمتغيرات المناخية القاسية، بل وما فرض انتشار وباء كورونا وفي كل ذلك تظل مجموعة دول الاتحاد الأوروبي هي الأسرع تحسسا من خطورة عودة هذه الحرب؛ لأن ذلك يجعلها وسط تجاذبات لا تخدم مصالحها الدولية الواسعة المتداخلة مع الصين وروسيا ودول البريكس، فضلا عن مصالحها التقليدية المعروفة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تعرضت خلال المدة الأخيرة إلى هزات متلاحقة على هامش الموقف من الاتفاق النووي مع إيران، وكذلك وجود هامش نسبي من الافتراق في التعامل مع روسيا إزاء أكثر من ملف دولي إلى الحد الذي دفع وزير الخارجية الأميركي بومبيو إلى القول إن الإدارة الأميركية تشعر بخيبة أمل إزاء المواقف الأوروبية، بينما ذهب الرئيس الأميركي ترامب أبعد في التهديد في فرض عقوبات على الأوروبيين وقد حصل ذلك في هوامش تجارية متبادلة، وفي كل ذلك أيضا تظل المنطقة الرخوة الأشد تأثرا هي المنطقة العربية لأسباب جيوسياسية معروفة لا مجال لسردها هنا.
يقول الروائي الروسي تولستوي “الجنود وأمهاتهم يعرفون ويلات الحروب أكثر من الآخرين”، وكأني بالأمين العام للأمم المتحدة يذهب على إيقاع ما ذهب إليه تولستوي، بأن المنظمة الدولية هي التي ستكتوي بالحرب الباردة، ويجعل تحسسه من ثقلها أنه سيكون كارثيا على عمل هذه المؤسسة الأممية الدولية، فالحرب الباردة أداة معطلة لمقاصدها النبيلة التي تتصدر ميثاقها العتيد، إذ لا بد أن يستعصي أمامها الكثير من الحلول العاجلة، أما الحال المخفف في مواجهة التصعيد الحالي فإن أغلب ضغوطه محكوم أصلا بضغوط الانتخابات الأميركية ومساعي الرئيس ترامب تسجيل مواقف دولية لصالح فرصته بالفوز وسط انقسام حاد بين الجمهوريين والديمقراطيين إزاء مفهوم قيادة العالم، مع أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية أن تذهب بعيدا في شدها الدولي، وكذلك الحال بالنسبة إلى روسيا والصين، لذلك أرى أن هذا الشد سينحسر تدريجيا مع بداية العام القادم 2021، وان كان بصورة بطيئة. وتحضرني هنا تصريحات صدرت عن وزير الخارجية الهولندي ستيف بلوك بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الروسي لافروف حين قال نحن لا نريد الحرب الباردة، وكذلك الاستدراك الذي أشار إليه خبراء في الشأن الدولي، الحرب الباردة الحالية ليست بوسائل سيطرة كما كانت في الماضي، الأمر الذي يقلل من فرص الجميع في تحقيق مكاسب طويلة الأمد منها، وهذا مدعاة للتراجع عنها حتما.

إلى الأعلى